آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-02:35ص

الخليج في مواجهة مشاريع الفوضى: كيف انتصر منطق الدولة على منطق الحرب

الإثنين - 11 مايو 2026 - الساعة 09:41 م
عوض عميران

تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا وتعقيدًا منذ عقود، حيث لم تعد الصراعات الدائرة مجرد مواجهات عسكرية تقليدية بين دول متخاصمة، بل تحولت إلى شبكة متداخلة من الحروب الاستخباراتية، وصراعات النفوذ، ومحاولات إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وفق خرائط جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا والسيادة الوطنية. وفي قلب هذا المشهد المتفجر، تقف المنطقة العربية، والخليج على وجه الخصوص، أمام اختبار تاريخي يتعلق بقدرته على حماية استقراره ومنع تحويله إلى ساحة استنزاف مفتوحة.

فالتصعيد المتزايد بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن قراءته بوصفه صراعًا منفصلًا عن الحسابات الإقليمية الكبرى، بل هو جزء من معركة أوسع تتقاطع فيها المشاريع الدولية بالطموحات الإقليمية، وتتحول فيها الشعارات الأيديولوجية إلى أدوات تفاوض ومساومة وصناعة نفوذ.

من التاريخ إلى الجغرافيا: جذور السلوك الإيراني

لا يمكن فهم السلوك السياسي الإيراني الراهن بمعزل عن الخلفية التاريخية التي تشكلت عبر قرون طويلة من التداخل بين الطموح القومي والمذهب والسياسة. فمنذ “الانعطاف الصفوي”، الذي أعاد تشكيل المذهب بوصفه هوية سياسية وقومية، بدأت ملامح مشروع إقليمي يسعى لإعادة هندسة النفوذ في المنطقة العربية والإسلامية وفق رؤية تتجاوز حدود الدولة التقليدية.

ومع مرور الزمن، تطورت هذه المقاربة لتصبح أكثر براغماتية ومرونة؛ إذ باتت طهران قادرة على الجمع بين خطاب “المقاومة” في العلن، والانخراط في تفاهمات مع القوى الكبرى حين تقتضي المصلحة ذلك. ولعل التصريحات المنسوبة للرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني حول دور إيران في تسهيل الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، تكشف حجم التعقيد في هذه العلاقة المركبة بين إيران والغرب.

فإيران التي تقدم نفسها كخصم استراتيجي للولايات المتحدة، لا تتردد في لعب دور “الشرطي الإقليمي” عندما تلتقي المصالح، وهو ما يجعل المنطقة العربية في كثير من الأحيان ساحة لتبادل الرسائل وتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.

تشابك المصالح وصناعة الفوضى

ورغم العداء المعلن بين إيران والكيان الإسرائيلي، إلا أن كثيرًا من التحولات الميدانية تكشف وجود تقاطعات غير مباشرة بين الطرفين، خصوصًا في ما يتعلق بإبقاء المنطقة العربية في حالة استنزاف دائم. فكلما ازدادت الحروب والانقسامات الطائفية، تراجعت فرص تشكل مشروع عربي قوي ومستقر قادر على فرض معادلات جديدة في الإقليم.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الفوضى أصبحت استثمارًا سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا لبعض القوى الإقليمية؛ فالدول المنهكة بالحروب لا تستطيع بناء اقتصاد قوي، ولا تطوير جيوش حديثة، ولا إنتاج مشروع سياسي مستقل. ومن هنا يمكن فهم سبب الاستهداف المستمر لحالة الاستقرار النسبي التي تعيشها دول الخليج.

لماذا أصبحت دول الخليج هدفًا للاستفزاز؟

بينما كانت أجزاء واسعة من المنطقة تغرق في الحروب والانقسامات، كانت دول الخليج تنشغل ببناء مشاريع تنموية عملاقة، وتطوير البنية التحتية، وتحديث التعليم، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز قدراتها العسكرية والتقنية. مشاريع مثل نيوم لم تكن مجرد مشاريع اقتصادية، بل إعلانًا عن انتقال الخليج من مرحلة الدولة الريعية التقليدية إلى محاولة بناء نموذج تنموي حديث ومؤثر.

كما أن نجاح كأس العالم FIFA قطر 2022 منح الخليج صورة مختلفة أمام العالم، وأثبت أن المنطقة قادرة على إنتاج نموذج استقرار وتنظيم وتنمية يتجاوز الصور النمطية المرتبطة بالحروب والصراعات.

هذا التحول الاستراتيجي جعل بعض القوى الإقليمية تنظر إلى الخليج باعتباره مشروعًا صاعدًا يجب إرباكه أو استنزافه أو جره إلى دوامة الصراعات، خصوصًا أن نجاح التنمية في المنطقة يعني تراجع نفوذ مشاريع الفوضى والميليشيات واقتصاد الحروب.

انتصار العقل السياسي الخليجي

لكن المفارقة الأهم أن العواصم الخليجية تعاملت مع هذه الاستفزازات بقدر عالٍ من الوعي السياسي والنضج الاستراتيجي. فبدلًا من الانجرار خلف ردود الفعل الانفعالية أو السقوط في فخ الحرب الشاملة، تبنت دول الخليج سياسة تقوم على احتواء الصدمات، وتعزيز الدفاعات، وحماية الاستقرار الداخلي، مع الحفاظ على توازن دقيق بين الردع وعدم التورط في مواجهات مفتوحة.

لقد أدركت القيادات الخليجية أن بعض القوى كانت تراهن على جر المنطقة إلى حرب واسعة تُستنزف فيها مقدرات الدول الخليجية وتتعطل مشاريعها التنموية، لتتحول المنطقة بأكملها إلى ساحة فوضى طويلة الأمد تخدم مصالح القوى المتصارعة أكثر مما تخدم أي قضية حقيقية.

ومن هنا، يمكن اعتبار أن أحد أكبر الانتصارات الخليجية في السنوات الأخيرة لم يكن عسكريًا فقط، بل سياسيًا واستراتيجيًا؛ إذ نجحت دول الخليج في إفشال محاولات جرّها إلى حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، وحافظت على أولويات الدولة الحديثة القائمة على التنمية والاستقرار وبناء المستقبل.

من الاستهداف إلى الردع: كيف تحولت الهجمات إلى فرصة استراتيجية؟

المفارقة اللافتة أن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت بعض العواصم والمنشآت الخليجية لم تحقق الأهداف التي خُطط لها بالكامل، بل تحولت عمليًا إلى لحظة اختبار تاريخية لقدرات الجيوش الخليجية وأنظمتها الدفاعية.

فقد وجدت هذه الدول نفسها أمام تحديات حقيقية اختبرت فيها كفاءة منظومات الدفاع الجوي، وسرعة الاستجابة، وقدرات القيادة والسيطرة، والتنسيق العملياتي بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية. وكانت النتيجة أن تشكلت خبرة ميدانية متراكمة عززت ثقة المؤسسات العسكرية الخليجية بقدرتها على حماية المجال السيادي والتعامل مع التهديدات الحديثة.

لقد أثبتت أنظمة الدفاع الجوي، بما فيها باتريوت ومنظومات أخرى متطورة، قدرة ملحوظة على اعتراض نسبة كبيرة من الهجمات، وهو ما بعث برسائل ردع واضحة إلى جميع القوى المعادية في الإقليم بأن أمن الخليج لم يعد هشًا كما كان يُتصور.

والأهم من ذلك أن هذه التجارب عززت شعورًا جديدًا داخل الوعي العربي عمومًا، يقوم على أن الجيوش العربية قادرة، متى توفرت الإرادة والتخطيط والتقنية، على حماية أوطانها والدفاع عن سيادتها دون الحاجة إلى الارتهان الكامل للخارج.

الحالة الإماراتية وتعقيدات المشهد الخليجي

في المقابل، برزت الإمارات العربية المتحدة كحالة تحمل قدرًا من التعقيد داخل المشهد الخليجي، خصوصًا مع انفتاحها الواسع على إسرائيل ومحاولتها بناء شراكات استراتيجية متعددة الاتجاهات. وقد رأى البعض في هذا المسار ثغرة يمكن أن تنفذ منها مشاريع إعادة تشكيل المنطقة.

غير أن المفارقة السياسية تكمن في أن هذه التباينات دفعت بقية العواصم الخليجية نحو مزيد من التنسيق والتماسك، وأعادت التأكيد على أهمية بناء موقف خليجي متوازن يحافظ على الأمن الجماعي ويمنع تفكيك المنطقة إلى محاور متصارعة.

معركة الوعي قبل معركة السلاح

إن أخطر ما تواجهه المنطقة اليوم ليس فقط الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل محاولات تفكيك الوعي العربي وإغراقه في الانقسامات الطائفية والاستقطابات الحادة. فالحروب الحديثة لم تعد تُدار فقط عبر الجبهات العسكرية، بل عبر الإعلام، والمعلومات، والاقتصاد، وصناعة الفوضى النفسية والاجتماعية.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في حماية الحدود، بل في حماية فكرة الدولة نفسها، وصون الاستقرار الداخلي، ومنع تحويل المجتمعات العربية إلى وقود دائم لصراعات الآخرين.

لقد انتقلت إيران من خطاب “المظلومية” إلى موقع تُتهم فيه بالسعي لإعادة تشكيل الإقليم وفق رؤيتها الخاصة، بينما يواصل الكيان الإسرائيلي الاستثمار في تفكيك البيئة العربية وإبقائها في حالة إنهاك مستمر. وبين هذين المشروعين، يجد العرب أنفسهم أمام ضرورة تاريخية لبناء مشروع وعي جديد، يقوم على الواقعية السياسية، وتعزيز الدولة الوطنية، وحماية التنمية باعتبارها خط الدفاع الأول عن السيادة.

خاتمة

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن أخطر ما يواجه مشاريع الفوضى في المنطقة ليس الجيوش وحدها، بل صعود نموذج الدولة المستقرة التي تضع التنمية فوق المغامرات، وتتعامل مع الأزمات بعقل بارد لا بعاطفة مشتعلة.

وفي الوقت الذي كانت بعض القوى تراهن فيه على جرّ الخليج إلى أتون حرب إقليمية واسعة، نجحت العواصم الخليجية في تحويل التهديدات إلى فرصة لتعزيز الردع، وتطوير القدرات الدفاعية، وترسيخ الثقة بقدرة الجيوش العربية على حماية أوطانها.

وهكذا، لم يكن الانتصار الحقيقي في تجنب الحرب فقط، بل في الانتصار لمنطق الدولة على منطق الفوضى، وللمستقبل على مشاريع الاستنزاف، وللعقل السياسي على غواية الحرائق التي التهمت أجزاء واسعة من الشرق الأوسط.