آخر تحديث :الجمعة-08 مايو 2026-02:04م

طريقة استخلاص الرأي

الجمعة - 08 مايو 2026 - الساعة 11:51 ص
محمد ناصر العاقل

بقلم: محمد ناصر العاقل
- ارشيف الكاتب


عندما قدمت ملكة سبإ من مملكتها في بلاد اليمن على نبي الله سليمان عليه السلام في البلاد المقدسة في فلسطين أحضر عرشها بما أيده الله من القدرة على ذلك فأجرى عليه تغييرات طفيفة بقصد اختبارها هل ستعرفه أم تنكره ورد ذلك في سورة النمل عند قوله تعالى ( قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو ) فعبرت في وصفها له بعبارة دقيقة ما بين أن يكون ما تراه هو عرشها نفسه أو يشبهه إلى حد يصعب التفريق معه إلا بعسر وهو دليل على كمال عقلها وصواب رأيها وفيما قالته تأكيد لما يقال من أن الآراء مرآة لعقول أصحابها وجاء وصف القرآن ليرسم لنا صورة بديعة لما ارتسم في ذهنها من اجتماع الشك واليقين والنفي والإثبات عند رؤيتها العرش في قولها " *كأنه هو* " فعندما رأته أدخلت حرف التشبيه الكاف لعدم جزمها ولكنها لم تستبعد أن يكون هو عرشها لقوة شبهه به ولهذا والت بين الضميرن هو هو بعد دخول الكاف عليهما ولم تقل كأنه عرشي لأن الضمير أعرف أنواع المعارف المذكورة في العربية فما رأته هو عرشها لولا بقية شك هو التغيير أو استبعاد القدوم به على بعد المسافة ؟ والله أعلم

وفي ترددها ثم وصفها دروس منها : الدعوة إلى تنشيط دور العقل واستغلاله في استخراج الحق في المسائل العويصة المعقدة وفيه أيضا احترام العلم والحق والمعرفة حين وقفت حيث انتهى بها العلم ولم تهجم برأي لا دليل عليه فلم تقل مؤكدة أنه عرشها ولم تنف أن يكون هو عرشها

وعلى هذا المسار يجب أن يسير الإنسان في حياته حتى تتراكم خبراته وتكون لديه وفرة من الآراء والمواقف والأعمال الصالحة الصائبة التي تؤمن له المسار الصحيح وتجعل من خروجه عن الصواب شذوذا وندرة يتداركها إذا حصلت ويجد نفسا مطواعة يسهل قيادها إلى الحق لأنها أقامت صلتها بالحق وربطت وجودها به

ومن المعيب لدى بعض الناس أن يعيش على التبعية وله عقل أكرمه الله به ورأي وفكر يستطيع بعون الله أن يصل به إلى مستوى عال من الرقي والتطور إذا جنبه العيش على التبعية والرعي في مراعي الآراء المصنعة الفاسدة التي لا دليل عليها من عقل ولا تقل وأثبتت التجارب أنها فاسدة لا تصلح إعادتها

وهناك خطوات في الأخذ بها يصل الشخص إلى الرأي السليم ويقف الموقف الذي يليق به ويتجنب تبعات وآثار الآراء الفاسدة منها

١- أن يسأل الله أن يوفقه ويهديه للصواب وفي الحديث " اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم "

٢- مدارسة الآراء والتشاور مع الآخرين من أهل الرأي وهو نفس ما فعلته ملكة سبإ مع الملإ من قومها

٣- التأني والنظر في المسألة وتقليب الرأي فيها قبل الحكم فالتروي مظنة لتحصيل الصواب والتعجل مظنة للوقوع في الزلل وهو أيضا ما قامت به ملكت سبإ بعد استشارة قومها قامت بإرسال هدية إلى سليمان عليه السلام وتبينت من خلالها أنه ليس ملكا من ملوك الدنيا الطامعين فيها

٤- بعض الحوادث لا تتطلب منك موقفا دعها تمر وبعضها الآخر سيتصدى لها ويكفيك عناءها غيرك وبعضها ليس لها علاجا إلا أن تهملها ويتولى الوقت علاجها

٥- أن يحتفظ الشخص برصيد من التجارب النافعة التي تعلمها من خلال مسيرة حياته وتراكم معارفه وطول بقائه يقول الشاعر في هذا المعنى :


ألم تر أن العقل زين لأهله * وأن كمال العقل طول التجارب


وعن الإمام الشافعي رحمه الله :


كلما أدبني الدهر أراني نقص عقلي * وإذا ما ازددت علما زادني علما بجهلي


هذه إلمامة في طريقة استخلاص الآراء بعيدا عن المؤثرات التي تتسبب في حدوث الأخطاء مستخلصة في المقام الأول من القرآن الكريم وما رد في قصة ملكة سبإ مع نبي الله سليمان عليه السلام