آخر تحديث :الجمعة-08 مايو 2026-02:04م

هيبة الألقاب… أم عقدة التعالي؟

الجمعة - 08 مايو 2026 - الساعة 11:46 ص
أ. سارة عبدالحكيم

بقلم: أ. سارة عبدالحكيم
- ارشيف الكاتب


ثمة فرقٌ شاسع بين احترام الألقاب، وبين عبادة الألقاب.

فالاحترام قيمة أخلاقية راقية، أما تحويل المسميات إلى موازين لكرامة البشر فذلك سقوطٌ صامت في هاوية التعالي.

بعض الناس لا يرى الإنسان، بل يرى ما يسبق اسمه فقط؛ فإن كان يحمل منصبًا بالغ في الانحناء له، وإن كان يحمل رسالةً هادئة كرسالة التعليم نظر إليه باعتباره “أقل”. وكأن القيمة تُستورد من الكرسي، لا من العقل والأثر والوعي.

والمفارقة المثيرة للسخرية أن الذين يستهينون بلقب “أستاذ”، ينسون أن هذا اللقب تحديدًا هو الذي مرّوا من تحته جميعًا.

فالدكتور لم يولد حاملًا لشهادته، والمسؤول لم يهبط على منصبه من السماء، والمحافظ لم يصنع نفسه وحده؛ خلف كل اسم كبير معلمٌ مجهول، وأستاذٌ أفنى عمره وهو يزرع المعرفة في عقول الآخرين ثم يمضي بصمت.

إن كلمة “أستاذ” ليست لقبًا صغيرًا كما يتوهم البعض، بل من أكثر الألقاب هيبةً وإنسانية، لأنها لا ترتبط بمنصبٍ مؤقت ولا بسلطةٍ قابلة للزوال، بل ترتبط بالفعل الأعمق في التاريخ البشري: صناعة الإنسان نفسه.

المشكلة ليست في الألقاب أبدًا، بل في العقليات التي تتعامل معها كطبقات اجتماعية، فتمنح الاحترام المبالغ فيه لمن علا منصبه، وتسحب التقدير ممن يحمل رسالة العلم والتربية. وكأن البعض لا يشعر بقيمته إلا حين يُشعر غيره بأنه أقل.

ولهذا، فإن اختزال الإنسان في لقبه ليس دليل رقي، بل دليل فراغ داخلي يبحث عن العظمة في المسميات. أما العقول الراقية، فهي تدرك أن الهيبة الحقيقية لا تأتي مما يُكتب قبل الاسم، بل مما يتركه الإنسان بعده.

ويبقى المعلم، مهما حاول المتعالون التقليل من شأنه، صاحب اليد الأولى في تشكيل العقول، وصناعة الوعي، وخلق كل تلك الأسماء التي يتباهى بها المجتمع لاحقًا.

لأن الذي يصنع القامات… لا يمكن أن يكون صغيرًا أبدًا.


أ- سارة عبد الحكيم