علي أحمد سعيد هنده
اختلطت الأوراق وانقلبت المفاهيم عن مفهومها الحقيقي، وانحرف مسارها، وتشابهت في كثير من الأمور في حياتنا اليومية والعملية، من خلال ما نسمعه ونشاهده ونلمسه من البعض الذين يتعايشون مع المفاهيم الخاطئة والأساليب الملتوية بمسمياتها المختلفة.
لم نعد نستطيع التمييز والتفريق والتصنيف والحكم. نحكم على من؟ ونصنف من؟ هذا أو ذاك.
تشابهت الأمور، وأصبحت خلطة كيميائية من الصعب تصنيفها، جعلونا نعيش في حالة من الارتباك والتخبط في التصنيف والتمييز والتفريق بين الأمين والخائن، وبين الصادق والكاذب، وبين الصدق والكذب، وبين الأمانة والخيانة، وبين الخطأ والصح، وبين الناشط الحقوقي والمجتمعي وبين المطبل، ومدعي الوطنية وبائعي الوطنية، وبين العملاء والخونة والوطنيين الشرفاء، وبين العميل والمناضل، وبين الانضباط الوظيفي والغباء السياسي الإداري، والإهمال الإداري والتسيب المالي.
نعيش في دائرة الاستغراب والذهول، وحالة من التخبط في التفكير والتركيز.
هذا يدعي الوطنية والنزاهة والشرف، وذاك باسم الوطنية وباسم المظلومية والمعاناة والحقوق والمطالب المشروعة وغير المشروعة ترتفع الأصوات والهتافات الرنانة والشعارات البراقة أكبر من الواقع، وبالخطب والكلمات المعسولة يدغدغون عواطفنا ومشاعرنا، وعلى هذه الموجة يحاولون العبور والارتزاق على حساب قضيتنا والمتاجرة بقضيتنا الوطنية ومعاناتنا وحقوقنا.
كلٌّ منهم يدلي بدلوه حسب مفاهيمه المزاجية ومصالحه الشخصية والخاصة والمنفعية، وعلى نفس الوتيرة القديمة ولكن بصورة جديدة، وتختفي الحقيقة عن معاناتنا وأوضاعنا المعيشية، وتحجب رؤيتها في ظاهرها وطنية وأعمال نضالية وبطولية ومطالبة بحقوقنا المشروعة، وفي باطنها مطالب ومصالح شخصية وذاتية ومكاسب حزبية وسياسية ومصلحية.
يتسابقون للوصول لتحقيق مآربهم والتسلط على رقابنا، ومن أوجاعنا ومعاناتنا وأوضاعنا المعيشية يصنعون من أنفسهم شخصيات بطولية ووطنية، ويتشدقون باسم الوطنية والنزاهة والشرف، شاهرين سيوفهم ضد الفساد والفاسدين لإقصاء الآخر، لإشباع رغباتهم العدوانية والانتقامية وأفكارهم الشيطانية.
كل واحد منهم يتعامل ويتعايش مع معايير القوانين المزاجية والنظرة المصلحية، وينظر إلى الأمور من منظور ضيق ومن عنق الزجاجة، ومن مصلحته الشخصية، ومن أجل الوصول إلى أعلى المناصب الإدارية والبقاء على الكرسي.
لم يدرك أن هذه التصرفات الجهلاوية والقرارات التعسفية الناجمة عن الغباء السياسي والنظام الإداري الدكتاتوري تصاعد من وتيرة المناكفات، ويرفع سقف الظلم والمعاناة والإقصاء والتهميش والمظالم.
وتتفشى ظاهرة القتل في أوساط المجتمع في عز النهار أمام مرأى ومسمع الجميع، وتنتشر بصورة غير مسبوقة.
دولة داخل الدولة، مجالس وكيانات سياسية متعددة الاتجاهات الفكرية والأيديولوجية السياسية والعقائدية، نخضع كلها للإملاءات الخارجية، مرهونة بإقليم ودول مجردة من قراراتها السيادية والسياسية، مشلولة اليد لا تستطيع صناعة القرار والمشاركة في صناعة مستقبل وطنها.
يقدم هذا الموظف أو ذاك الكيان السياسي قرباناً وتقرباً إلى الجهة المختصة، وكل ذلك من أجل أن يتصدر قائمة الصدارة لهذا المسؤول أو لأطراف الصراع في المنطقة.
يتحول الناشط السياسي والحقوقي إلى مطبل لتلميع جزمات المسؤول، مرة يقدح وتارة يذم وتارة يمدح، كل ذلك من أجل مصروف يومه، وذاك يرتعش خوفاً من تلفيق تهمة وتشير أصابع الاتهام إليه، فيوضع في قفص الاتهام، وذاك من أجل العبور إلى منصب أو الارتقاء إلى أعلى المناصب الإدارية ويصبح رجل دولة.
أطماع سياسية أنستنا استعادة الجمهورية ومؤسسات الدولة. حرب طالت أمدها، أكلت الأخضر واليابس، وأنهكت المواطن، وأدخلت يمننا في نفق مظلم من الحروب والصراعات السياسية والحزبية.
وهل سنظل ندور ونبحث عن الحلول والمعالجات السليمة ونطرح المشكلة على طاولة المناقشة بصورة جزئية، وتحجب الرؤية الكلية، وتنحرف عن المسار الحقيقي والصحيح؟
نستعرض العضلات الفكرية والقرارات الإدارية والسياسية الفارغة من محتواها، ونلجأ إلى التخبط، ونضع بعض التصورات والاستفسارات والاحتمالات والحلول والمعالجات المزاجية بما يتناسب مع مكاسبهم السياسية، وندور حول أسئلة شائكة ومعقدة ومتعرجة الفروع والمنعطفات، ومن السهل الإجابة عنها، لكن من الصعب الوصول إلى تشخيص المشكلة وأسبابها ومسبباتها.
لم نستطع الوصول إلى إيجاد الحلول والمعالجات، افتقدنا المصداقية والشفافية، واتجهنا إلى الخلافات الشخصية والجانبية والمناكفات وتصفيات الحسابات المتراكمة والاتهامات والإسقاطات لبعضنا البعض والمناقشات العقيمة، وتغيب الحقيقة وتحجب الرؤية الكاملة عن مطالبنا وحقوقنا المشروعة ومعاناتنا ومشاكلنا الأساسية والهدف المنشود، وندور حول أنفسنا في دائرة مغلقة، ومشكلتنا فارغة من محتواها ومضمونها.
ننتظر الساعة السليمانية تأتي بالعرش واستعادة الجمهورية.
وهل فكرنا يا عزيزي وسألنا أنفسنا: أين يكمن الخلل؟
هذه هي مشكلتنا.
سنظل عالقين كالمرأة المعلقة، مع قصيدة الدكتور عبدالعزيز المقالح:
هل تَغيَّرَتِ الأرضُ
أم ناسُها
أم أنا؟!
كُلُّ شيءٍ تَغيَّرَ
ما عاد شيءٌ عليها كما كان
أحلامُنا لا ظِلالَ لها
شَجَرُ الحبِّ ما عاد يُثمِر ورداً
ولا ياسميناً
أقولُ لكم:
لستُ أبكي بهاءَ الصداقةِ
لكنني – آه – أبكي على زمنٍ
كان فيه الصديقُ صديقاً،
إذا أجدبَ الصيفُ،
كان السحابةَ،
كان المطرْ.
:::::::::::::::::::::::::::::::::::
✍️ علي أحمد سعيد هنده
الخميس 7 مايو 2026