لم يكن ما جرى في أبين اليوم خبرا عابرا يُقرأ ثم يُنسى، بل كان أقرب إلى لحظةٍ تُروى، لحظةٍ يتقدّم فيها رجلٌ نحو الخطر، فيتراجع الخطر، ويعود الطريق إلى الناس.
هناك في شرق زنجبار، حيث اعتادت الفوضى أن ترفع صوتها، وحيث تحوّل الطريق الدولي لسنوات طويلة إلى ساحة ابتزاز، انقلب المشهد فجأة.
لم يأتِ التغيير ببيانٍ مكتوب، بل بخطواتٍ على الأرض، بصوت محرّكاتٍ تتقدّم، وبقرارٍ لا يعرف التردد.
وصل المحافظ الدكتور مختار الخضر الرباش الهيثمي الميسري، لا كمسؤولٍ يراقب، بل كقائدٍ يختبر المعنى الحقيقي للسلطة: أن تكون حاضرا حين يغيب الآخرون.
وحين دوّى الرصاص، لم يكن مجرد إطلاق نار، بل كان إعلانا صريحا من قِبل الخارجين عن القانون أنهم يرفضون الدولة نفسها.
وفي لحظاتٍ كهذه، تتعرّى الكلمات، ولا يبقى إلا الفعل. ترجل الرجل (المختار)، وترجّل معه الخوف من قلوب مرافقيه قبل أن يترجّل من المكان.
انتشروا بثبات، لا فوضى في الحركة، ولا ارتباك في القرار، كأن المشهد يعيد تعريف الهيبة: ليست قسوةً عمياء، بل انضباطٌ يفرض نفسه، وعدالةٌ تعرف طريقها.
انتهت الواقعة كما يجب أن تنتهي: سيطرة على قطاع الطريق، والقبض عليهم، وضبط كل ما كان بحوزتهم من سلاح وذخائر.
لكن الحقيقة أن ما انتهى لم يكن حادثة تقطّع فقط، بل مرحلةٌ كاملة من الاستهانة بالطريق وبالدولة معا. وما بدأ في المقابل ليس مجرد استقرارٍ أمني، بل استعادةٌ لمعنى ظلّ غائبا طويلا: أن الدولة، إذا قررت، تستطيع.
ما يفعله الدكتور مختار اليوم ليس طارئا على سيرته. هذا رجلٌ عرفته الجبهات قبل المكاتب، يوم كانت عدن وأبين تواجهان زحف جماعة الحوثي، فكان في الصفوف الأولى، لا يتأخر عن موقعٍ يُطلب فيه الحضور.
من هناك، من لحظات التأسيس الأولى للمقاومة، تَشكّل وعيه بالسلطة، أنها مسؤولية تُحمل لا امتياز يُستعرض.
ثم في ميادين العمل المدني، أثبت أن الحزم لا يناقض الإدارة، وأن الشجاعة لا تعني الفوضى.
من إدارة ملفات معقّدة إلى مواجهة اختلالات متراكمة، ظلّ يمشي بخطٍ واحد: عقلٌ يسبق الخطوة، وخطوةٌ لا تخون العقل.
ولذلك، حين أعلن منذ اللحظة الأولى رفض الجبايات غير القانونية، لم يكن يطلق شعارا للاستهلاك، بل كان يكتب عنوان معركةٍ يعرف أنها ستأتي.
وقد جاءت اليوم. فجاءها كما ينبغي: ثابتا، واضحا، غير قابلٍ للمساومة.
لكن أجمل ما في هذا المشهد أنه لا يخص رجلا وحده، بل يفتح بابا لمدينةٍ ومحافظةٍ ووطن، لأن الدولة، مهما كانت قوية، لا تستعيد هيبتها وحدها، تحتاج إلى مجتمعٍ يصدّقها، إلى نخب سياسية تقف مع القانون لا ضده، إلى قبائل تكفّ عن التواطؤ مع الفوضى حين تخدم مصالحها، وإلى أجهزةٍ أمنية تدرك أن ما حدث اليوم ليس نهاية المهمة، بل بدايتها.
الطريق الدولي ليس مجرد إسفلتٍ يمتد بين المحافظات، بل هو شريان حياة، وإذا أُهين هذا الشريان، أُهينت معه كرامة الناس.
وما جرى اليوم هو إعادة اعتبار، ليس للطريق فقط، بل لفكرة الدولة نفسها.
في لحظاتٍ نادرة، يظهر الفرق بين من يدير المشهد… ومن يصنعه.
اليوم، لم يُدر المشهد في أبين، بل صُنع.
وصُنع بقائدٍ فهم أن الهيبة لا تُستعار، بل تُنتزع بالفعل.
هكذا تبدأ الحكايات التي تشبه الأساطير، لكنها هذه المرة، حقيقية.
،،،،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الأربعاء ٦ مايو ٢٠٢٦م