في قلبي غصة لا تهدأ ، وألم يتجدد كلما رأيت بعض ما يكتب ويتداول على ألسنة من يفترض أنهم حملة الكلمة وأصحاب الرأي في تعز ؛ صحفيون وإعلاميون ونشطاء ووجهاء ، يفقدان اتزان أو غياب وعي إلى مساحات خطيرة ، تتجاوز النقد إلى التشهير ، وتنتقل من الاختلاف إلى الاتهام ، ومن الرأي إلى انتهاك الخصوصيات ودهس الأعراض دون اكتراث بما يخلفه ذلك من خرابٍ إنساني واجتماعي لا يمحى بسهولة
ما يحدث اليوم ليس مجرد تجاذب إعلامي أو حرية رأي كما يراد له أن يسوق ، بل هو في كثير من صوره ((انحدار أخلاقي خطير)) ، يهدد ما تبقى من روابط المجتمع ، ويزرع الشك بين الناس ، ويحول الخلافات إلى ساحات تصفية ، والكلمات إلى أدوات طعن لا تعرف رحمة ولا تراجع
الأخطر من ذلك كله ، أننا أمام حالة تطبيع مع القسوة ؛ أصبح البعض يرى في فضح الناس وتسقيطهم وإلصاق التهم بهم ((نوعاً من الجرأة ، بينما هو في حقيقته سقوط في امتحان الضمير)) ، وانفلات من قيم المهنة أو الكلمة ، وتجرد من أبسط معاني الإنسانية
فالكلمة ليست سلاحاً للانتقام ، وليست وسيلة لإشباع نزعات شخصية أو خصومات ضيقة ، بل هي مسؤولية ثقيلة ، إن لم تضبط بالأخلاق تحولت إلى جريمة معنوية مكتملة الأركان
تعز التي نعرفها بتاريخها الثقافي والإنساني ، ليست هذه الصورة المشوهة التي تصنع على منصات الجدل والخصام ، لكنها اليوم تستنزف من داخلها ، حين يتحول بعض أبنائها إلى أدوات تفكيك بدل أن يكونوا أدوات بناء ، وإلى معاول هدم بدل أن يكونوا جسور تواصل
يصور الناس بعضهم لبعض كخصوم دائمين ، وتستدعى كل مفردات الشتم والتجريح ، حتى صار الخطاب العام مثقلاً بالعداء ، فاقداً للاتزان ، غارقاً في شخصنة كل شيء
والمؤلم حقاً ، أن هذا المشهد لا ينعكس داخلياً فقط ، بل يخرج إلى الخارج بصورة مؤذية ، تجعل الآخر ينظر إلينا كجماعة متناحرة لا يجمعها موقف ، ولا يوحدها وعي ، ولا تضبطها مسؤولية ، وكأننا نقدم أنفسنا للعالم على أننا لا نحسن إلا الجدل ، ولا نجيد إلا الانقسام ، ولا نتقن إلا إسقاط بعضنا البعض
(إن ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من الأصوات ، قدر أكبر من الضمير ؛ نحتاج إلى صحافة تعيد للكلمة هيبتها ، وإلى إعلام يستعيد أخلاقه قبل لغته ، وإلى مجتمع يتذكر أن الاختلاف لا يعني الإلغاء ، وأن النقد لا يبرر التشهير ، وأن حرية التعبير لا تمنح أحداً حق العبث بكرامة الآخرين)
لقد آن الأوان أن نتوقف قليلاً أمام أنفسنا
ماذا نربح حين نهدم سمعة إنسان؟ ماذا نكسب حين نحول الخلاف إلى فضيحة؟ وأي مستقبل يمكن أن يبنى على هذا الكم من الكراهية المعلنة؟
تعز ليست بحاجة إلى مزيد من الحكايات الجارحة ، بل إلى عقل راشد يعيد ترتيب الخطاب ، ويعيد للكلمة مكانتها ، ويذكر الجميع أن أعظم قوة في المجتمع ليست في فضح بعضه ، بل في احترام بعضه ، وحمايته من الانزلاق إلى هاوية لا رابح فيها
واعتذر يا تعز