آخر تحديث :الإثنين-04 مايو 2026-02:22م

عدن تنزف “وسامًا”… حين يصبح البناء جريمة والوفاء ثمنه الموت

الإثنين - 04 مايو 2026 - الساعة 01:02 م
د.علي العسلي

بقلم: د.علي العسلي
- ارشيف الكاتب


د. علي العسلي

لم تعد الحكاية حادثة جنائية عابرة، ولا جريمة منفلتة من سياقها. ما جرى في عدن مؤخرًا – من اغتيال مدير مدارس النوارس الدكتور عبدالرحمن الشاعر، إلى اختطاف وقتل وسام قائد – ليس سوى حلقة دامية في سلسلة تنخر صورة مدينة كان يُفترض أن تكون نموذجاً للدولة، لا مسرحاً لاغتيالها.

إنها ليست جريمة ضد أشخاص فحسب، بل هي طعنة في قلب فكرة “العودة” نفسها، ورسالة قاسية لكل كفاءة آمنت أن لهذا الوطن فرصة للنهوض.

من ضواحي لندن… إلى رصاصة الغدر

قبل عقود، غادر جده مدينة تعز بحثاً عن الاستقرار، فكبر وسام في بريطانيا وتعلّم في أرقى جامعاتها، وكان بإمكانه أن يعيش حياة رغيدة وآمنة في ضواحي لندن، لكنه اختار الطريق الأصعب: أن يعود.

عاد لا ليبحث عن منصب، بل ليعيد الروح لمؤسسة (الصندوق الاجتماعي للتنمية) التي لمس أثرها اليمانيون في كل قرية، وليزرع أملاً في أرض أنهكها الغياب. لم يكن وسام وجهاً مألوفاً في الأوساط السياسية أو الضجيج الاجتماعي؛ لأنه لم يكن سياسياً يقتات على الشعارات، بل كان رجل إنجازٍ صامت، يؤمن بأن التنمية حركة مستمرة وعمل يومي دؤوب، لا خطابات تُلقى.

عاد ليبني.. فحاولوا في صنعاء اعتقاله، لكنهم في عدن قتلوه!

رصاصة في صدر الأمل.. ورسالة إلى العالم

اغتيال وسام قائد، القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، هو رسالة مزدوجة: للداخل بأن الكفاءات مستهدفة، وللخارج بأن بيئة العمل لم تعد آمنة حتى للمؤسسات الدولية المانحة. هذه الجريمة هي ضربة مباشرة لمصداقية أي مشروع استقرار في اليمن، وكأن لسان حال القتلة يقول: "لا بناء هنا.. ولا حياة".

فمن يُعيد الأمل؟ وهل يستسلم اليمنيون والتحالف لهذا الواقع المرير؟ وهل سيظل العالم يهادن ويجامل "المتمنطقين بالملشنة" في يمنٍ أنهكته الحروب ومزقته الانقسامات، وكثرة الإحاطات الرتيبة للمبعوثين الدوليين في مجلس الأمن، والتي باتت تُقرأ بلا أفق لإنهاء الانقلاب أو وضع حد للصراع؟ إن دماء وسام تصرخ في وجه هذا الصمت الدولي، مطالبةً باستعادة الدولة والأمن والاستقرار، لا مجرد تدوير الأزمات في غرف المفاوضات المظلمة.

ما وراء الدم.. حين تُستثمر الفوضى سياسياً

في مثل هذه اللحظات الفارقة، لا يمكن فصل الجريمة عن سياقها الأوسع؛ فكل تدهور أمني في عدن أو في المناطق المحررة، يتحول فوراً إلى "مادة سياسية" تُستخدم لإثبات عجز الدولة، والضغط لإعادة تشكيل الواقع وفق موازين قوى معينة. هناك من يجد في الفوضى "فرصة" لا كارثة، ويوظف الدم لإثبات أن الأرض لا تُدار إلا عبر أدواته، وأن مؤسسات الدولة الرسمية ليست سوى ديكور عاجز. إن تحويل الدم إلى "ورقة تفاوض" أو رسالة ضغط باتجاه الداخل والتحالف هو اغتيال ثانٍ للضحية.. واغتيال معنوي لمشروع الدولة الذي عاد وسام ليخدمه.

مسؤولية لا تحتمل التأجيل

مع وجود توثيق مرئي للجريمة، لم يعد هناك مجال للغموض. المسؤولية واضحة، والمطلوب أوضح: تحقيق شفاف، كشف كامل، ومحاسبة لا تستثني أحداً. إذا كان وسام قد أبلغ عن تهديدات مسبقة، فإن تجاهلها ليس مجرد تقصير، بل هو خذلان مؤلم لرجل وضع ثقته في حماية الدولة.

من وحي الاسم.. الرد الذي يليق بعدن

إذا كانت الجريمة تحمل اسم “وسام قائد”، فإن الرد يجب أن يكون على قدر هذا الاسم:

وسامٌ.. لمن يستحق الشجاعة في كشف الحقيقة.

وقيادةٌ.. لمن يثبت أنه أهل لحماية الناس وتفكيك خلايا الموت.

إننا ندعو لرصد مكافأة استثنائية لمن يدلي بمعلومات، وترقية الضباط الذين ينجحون في هذا الملف إلى مواقع القيادة؛ فالأمن يُبنى بالكفاءة لا بالولاءات الضيقة.

ختاماً..

ما يحدث ليس اختباراً لعدن وحدها، بل لاختبار فكرة الدولة: هل تستطيع أن تحمي أبناءها؟ أم أن الدم سيبقى اللغة الوحيدة المفهومة؟ رحم الله وسام قائد، وعبدالرحمن الشاعر، ولتبقَ دماؤهم جرس إنذار يشهد على أن الفوضويين لا يصنعون دولاً ولا مجداً، وباسم الحرية هم أعداؤها الحقيقيون.

#العدالة_لوسام_قائد

#العدالة_لعبدالرحمن_الشاعر

#أمن_عدن_مسؤوليتكم