تأتي الذكرى السنوية لليوم العالمي لحرية الصحافة حاملة معها غصة وألما كبيرا خاصة في اليمن حيث تحولت مهنة المتاعب إلى ضريبة يدفعها الصحفيون من حياتهم وحريتهم لمجرد نقل الحقيقة إن تذكر هؤلاء الزملاء ليس مجرد استحضار لأسماء عابرة بل هو تخليد لشهود عيان دفعوا أغلى ما يملكون لتبقى الكلمة حرة في وجه الاستبداد
فرسان الكلمة جراح لا تندمل
الشهيد محمد العبسي: صحفي الاستقصاء الشجاع الذي كشف ملفات الفساد الكبرى فرحل في ظروف غامضة ومؤلمة بالسم ليترك فراغا هائلا في الصحافة الاستقصائية اليمنية لم يكن العبسي مجرد كاتب بل كان جدارا يستند إليه الحالمون بدولة المؤسسات
الشهيد أنور الركن: الذي يمثل مأساة حقيقية تلخص وحشية ما يتعرض له الصحفيون في سجون المليشيات خرج من المعتقل جسدا منهكا من التعذيب الشديد الذي تعرض له في سجون المليشيات الحوثية ولم يصمد سوى أيام قليلة قبل أن تفيض روحه إلى بارئها متأثرا بما لاقاه من تعذيب وتجويع وإهمال طبي متعمد ليكون شاهدا بدمه على بشاعة الإخفاء القسري والجرائم المرتكبة بحق رجال الصحافة
الشهيد والشاعر هلال القحم: الذي جمع بين شجاعة الكلمة وبلاغة الشعر لم تكن تهمته سوى صوته الحر حيث أطلق صرخته الكبرى في وجه الطغيان من قلب صنعاء مجسدا بمرارة مأساة وطن يساق إلى المقصلة خرج من المعتقل ليموت في ظروف غامضة تاركا إرثا من الكرامة والشعر الذي لا يموت
ديوان الوجع صرخة هلال القحم في وجه ملوك الكهوف
في سبتمبر 2014 ومع سقوط العاصمة صنعاء لم يقف الشاعر والصحفي هلال القحم صامتا كتب بدمه وقلمه مانشيت الرفض الأخير واصفا مأساة الوطن بين إسلام الساطور وسلام البندقية ورافعا صوته بقصيدته الخالدة التي تحولت إلى محاكمة تاريخية
مأتم ملكي لمراسيم الجحيم المقدس
- 1 -
ذَهَبَ المَلِك عَادَ المَلِك
قُلْ لِي بِرَبِّ البَـيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
هَلْ مِنَ العَدْلِ بِأَنْ تَقْتُلَ شَعْبَاً كَامِلاً مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْيَا المَلِكْ؟!
حَيْثُ يَبْدُو البَدْءُ مِنْ حَيْثُ انْتَهَيْت
حِينَ نَغْدُو اليَوْمَ شَعْباً
مَدَّ كَفَّ القَلْبِ مِنْ دَرْبٍ إِلَى دَرْبٍ وَمِنْ بَيْتٍ لِبَيْت
قُلْ لِي بِرَبِّ البَيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
هَلْ تَرَى فِي سُلْطَةِ الشَّطْرَنْجِ جُنْدِيّاً مَلِك؟!
هَلْ تَرَى مَنْ عَاشَ شَعْباً كَالَّذِي فِي كَفِّكَ الأُخْرَى
غَدَا رَأْياً وَرَايَاتٍ بِهَا شَعْباً هَلَك؟!
هَلْ تَرَى مَا كَانَ قَبْلاً ثَوْرَةً أَمْ كَانَ أَحْجَاراً عَلَى الشَّطْرَنْجِ
شَنَّ الشَّعْبُ فِيهَا الحَرْبَ ضِدَّ الشَّعْبِ مِنْ بَيْتٍ لِبَيْت؟!
هَلْ لِكَيْ يَمْلِكَ بَيْتاً ثَارَ هَذَا الشَّعْبُ
أَمْ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَبْقَى بِلَا ذَاتٍ بِلَا أَهْلٍ وَبَيْت؟
كَلَّا وَرَبِّ البَيْتِ يَا عَبْدَ المَلِكْ
مَا لِهَذَا ثَارَ شَعْبٌ كَامِلٌ ضِدَّ المَلِك
أَوْ خُلِقْنَا كُلُّنَا مِنْ أَجْلِ هَذَا المَوْتِ
أَوْ مِنْ أَجْلِ هَذَا كُلِّهِ جِئْنَا جَمِيعاً أَوْ أَتَيْت
أَفَمَنْ يَمْشِ مُكِبّاً وَجْهَهُ وَالوِجْهَةَ أَهْدَى سِيرَةً٠
أَمْ مَنْ بِنَا يَمْشِي سَوِيّاً مَا انْحَنَى فِي دَرْبِهِ
فَرْدٌ وَلَا حَشْدٌ وَلَا فِيهِ انْحَنَيْت؟!
- 2 -
عَادَ المَلِك ذَهَبَ المَلِك
قُلْ لِي بِرَبِّ البَـيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
كَيْفَ كَانَتْ سُلْطَةُ الحَجَّاجِ أَمْضَى سَطْوَةً مِنِ ابْنِ مَرْوَانَ المَلِك؟!
هَلْ بِإِسْقَاطِ الوَزِيرِ اليَوْمَ حَقّاً تَنْتَهِي اللُّعْبَةُ
إِنْ ظَلَّ بِكَ الخَيْلُ المَلِك؟!
هَلْ سَتُبْنَى دَوْلَةٌ فِيكُمْ وَتَغْدُو رَايَةُ الإِيمَانِ يَوْماً غَايَةً
إِنْ كَانَ وَالِينَا عَمِيلاً وَالَّذِي عَادَاهُ وَجْهاً ثَانِياً لِلْغَزْوِ
إِذْ أَضْحَى أَبُو جَهْلٍ زَعِيماً فِيكَ مَمْلُوكاً مَلِك؟
قُلْ لِي بِرَبِّ البَيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
أَيَّ شَعْبٍ نَدَّعِي أَنَّا بِهِ ثُرْنَا
وَمَنْ مِنَّا مَشَى مِنْ خَلْفِهِ عِشْرُونَ فَرْداً ذَاتَ حَرْبٍ
كَيْ يَصِيرَ اليَوْمَ فِي عِشْرِينَ مِلْيُونَاً مَلِك؟
مَنْ مِنَ الثَّانِي بِكُمْ أَحْيَا مَآسِينَا
وَأَفْنَى ظِلَّهُ الثَّانِي بِذِكْرَى مُمْتَلَك؟!
قُلْ لِي بِرَبِّ البَيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
- 3 -
ذَهَبَ المَلِك عَادَ المَلِك
قُلْ لِي بِرَبِّ البَـيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
سَقَطَتْ صَنْعَا بِأَعْلَى الأَرْضِ مَاذَا بَعْدَ بَاذَانَ المَلِك؟!
لِمَنِ المُلْكُ غَداً وَاليَوْمَ مِنْ بَعْدِ المَلِك؟!
جَمْعٌ لَا جُمْعَةَ أَمَاتَ بِنَا السَّاحَاتِ فِي دَجَّالِ حَرْبٍ
أَطْفَأَ التَّيَّارَ مِنْ بَيْتٍ لِبَيْت
جُرَعٌ لَا جُرْعَةً مِنْ دَمْعَةٍ كَانَتْ عَلَى خَنْقِي وِفَاقاً مِنْ فَلِيت
كَيْفَ لَا وَالأُمَّةُ العَمْيَاءُ تَارِيخٌ طَوِيلٌ لِلسَّبَايَا
مِنْ رُمَاةِ الفَيْدِ فِي المَاضِي إِلَى مَا بَعْدَ تَوْقِيعِ الكُوَيْت
قُلْ لِي بِرَبِّ البَيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
دَاحِسٌ أَمْ دَاعِشٌ عَادَتْ لِثَأْرِ العِيدِ فِي الأَضْحَى
أَمِ الغَازِي المَلِك؟!
- 4 -
عَادَ المَلِك ذَهَبَ المَلِك
قُلْ لِي بِرَبِّ البَـيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
إِنْ تَكُنْ شَعْباً فَهَلْ مِنْ مَنْطِقٍ لِلشَّعْبِ يَقْضِي مَوْتَ شَعْبٍ مِثْلِهِ
لَا مَوْتَ طَاغِيَةِ المَلِك؟!
مَنْ هُوَ الأَعْلَى مَكَاناً مَنْ أَقَامَ العَدْلَ سُلْطَاناً
أَمِ الخَلْقُ الَّذِي مِنْ بَعْدِ أَنْ قُمْنَا بِهَدْمِ اللَّاتِ وَالعُزَّى
أَقَامَتْ صَنَماً لِلدِّينِ مِنْ بَيْتٍ لِبَيْت؟!
مَنْ أَعَادَ البَيْتَ أَمْ مَنْ هَدَمَ الأَوْطَانَ مِنْ حَيٍّ إِلَى حَيٍّ وَمِنْ بَيْتٍ لِبَيْت
لَيْسَ هَذَا المَوْتُ أَمْرِيكَا وَلَيْسَ المَوْتُ إِسْرَائِيلَ
إِنَّ المَوْتَ أَنْ نَحْيَا مَمَالِيكاً وَمَا لَا تَمْتَلِكْ
لَيْسَ هَذَا المَوْتُ أَمْرِيكَا وَلَيْسَ المَوْتُ إِسْرَائِيلَ
إِنَّ المَوْتَ وَاللَّعْنَةَ مَنْ مِنَّا بِأَمْرِيكَا وَإِسْرَائِيلَ أَفْنَانَا شُعُوباً
عَبْدَ أَمْرِيكَا وَإِسْرَائِيلَ المَلِكْ
- 5 -
ذَهَبَ المَلِك عَادَ المَلِك
قُلْ لِي بِرَبِّ البَـيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
يَقَظَةُ الأَحْرَارِ أَسْمَى فِكْرَةً أَمْ سِيرَةُ المِلْيُونِ مَقْتُولاً بِثَارَاتِ المَلِك؟!
إِنَّهُ اللهُ رَمَى لَا مَا رَمَيْت
إِنَّهُ الشَّعْبُ لِمَا لَمَّا نَسِيت
لَنْ وَلَمْ يَنْسَى مَدَى جِيلٍ وَأَعْوَامٍ مِنَ الوَيْلَاتِ وَالخَيْبَاتِ
مِنْ حَتَّى إِلَى مَوْتٍ بِشَيْءٍ مِنْ عَسَى فِي نَفْسِ لَيْت
- 6 -
عَادَ المَلِك ذَهَبَ المَلِك
قُلْ لِي بِرَبِّ البَـيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
كَمْ سَنَبْقَى دَاخِلَ التَّارِيخِ مَنْسِيِّينَ مَنْفِيِّينَ مِنْ حَرْبٍ إِلَى أُخْرَى
شُعُوباً لَا صَدَى أُفُقٍ لِرَاوِيهَا وَلَا صَوْتاً بِهَا يَعْلُو عَلَى صَوْتِ المَلِك؟
مَا هُوَ العُدْوَانُ مَنْ قَامُوا بِقَتْلِ الشَّعْبِ
أَمْ مَنْ حَارَبُوا فِي صَفِّهِ كَيْ يَجْعَلُوا العُدْوَانَ فِي الأَرْضِ المَلِكْ
قُلْ لِي بِرَبِّ البَيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
مَا هُوَ الأَبْقَى مَكَاناً مَا هُوَ الأَرْقَى زَمَاناً فِي حِوَارَاتِ الدُّرُوبِ؟!
هَلْ صِرَاعَاتُ القَبَائِلِ وَالمَمَالِكِ أَمْ عَلَاقَاتُ الشُّعُوبِ؟!
حِينَمَا نُنْفَى وَنَنْسَى كُلُّنَا كُنَّا يَهُوداً أَوْ نَصَارَى
أَوْ بِلَا دِينٍ دِيَانَاتٍ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا مِثْلَنَا مِنْ آلِ البَيْتِ
أَوْ يَكُنْ هَذَا بِنَا مِنْ دُونِ بَيْت؟
كَيْفَ أَضْحَى القَائِدُ البَانِي يَدَ الجَانِي
وَمَاذَا أَيُّهَا الجَانِي جَنَى شَعْبِي بِكُمْ مِنْ أَيِّ قَانُونٍ بَدَائِيٍّ أَتَيْت
قُلْ لِي بِرَبِّ البَيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
- 7 -
ذَهَبَ المَلِك عَادَ المَلِك
قُلْ لِي بِرَبِّ البَـيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
إِنْ تَكُنْ عَبْداً لِهَذَا الشَّعْبِ وَالشَّعْبُ المَلِكْ
وَأَنَا لَازِلْتُ طِفْلاً حَالِماً بِالعَيْشِ لَا بِالمَوْتِ
وَاسْتَيْقَظْتُ فَجْراً لِأَرَى بَيْتِي خَرَاباً وَأَشْقَانِي
وَأُمِّي وَأَبِي قَتْلَى وَوَحْدِي مَنْ بَقِيتْ
وَالحُرُوبُ السَّبْعُ وَالسَّبْعِينَ قَدْ صَارَتْ أَنَا
المَنْبُوذُ قَهْرِيّاً يَتِيماً عَاشَ مَنْفِيّاً شَرِيداً قُرْبَ مُسْتَشْفَى الكُوَيْت
هَلْ سَتَرْثِينِي وَتَبْكِينِي وَتُهْدِينِي بَدِيلَ العَزْفِ بِالبَارُودِ كَالأَطْفَالِ أَثْوَاباً
وَأَقْرَاصاً مِنَ الحَلْوَى وَمُوسِيقَى لِفَيْرُوزَ إِذَا كُنْتَ المَلِكْ
قُلْ لِي بِرَبِّ البَيْتِ يَـا عَبْدَ المَلِـكْ
كَيْ نَقُولَ اليَوْمَ يَاااااااااااا هَادِي
كَفَانَا
كِشْ مَلِكْ
ذَهَبَ المَلِك ذَهَبَ المَلِك
رسالة الصحافة الحقيقة لا تموت
قد يغيب الجسد بالاعتقال أو الاغتيال أو السم ولكن الكلمة الصادقة والموقف الشجاع يظلان محفورين في ذاكرة الأجيال ما كشفه العبسي وما عاناه انور ركن وما أنشده هلال القحم هو التاريخ الحقيقي الذي لا يمكن تزييفه برصاصة أو زنزانة
في اليوم العالمي لحرية الصحافة ننحني إجلالا لأرواحهم وأرواح كل الصحفيين الذين غيبهم الموت أو السجون تضحياتهم لم تكن مجرد مأساة شخصية بل هي النور الذي يستضيء به كل ممسك بالقلم في وجه الظلام لتظل كلمتهم الأخيرة مدوية في وجه الطغاة كش ملك