آخر تحديث :الإثنين-04 مايو 2026-03:09ص

حضرموت وفلسفة الجغرافيا

الأحد - 03 مايو 2026 - الساعة 10:17 م
د. عارف محمد الحوشبي

بقلم: د. عارف محمد الحوشبي
- ارشيف الكاتب


حضرموت ليست مجرد رقعة ممتدة على خارطة اليمن ولا هي فقط تاريخ يروى أو اقتصاد يدار بل هي فكرة عميقة عن الإنسان حين يصنع ذاته خارج حدود المكان ثم يعود ليمنح المكان معنى الخلود وفي حضرموت يتصالح الزمن مع نفسه فالتاريخ لا يدفن في الماضي بل يتجدد في الحاضر والهوية لا تحفظ في الكتب بل تعاش في السلوك والوعي.


حضرموت حيث قامت ممالك قديمة وتدفقت قوافل التجارة عبر الصحارى ولم يكن الاقتصاد مجرد تبادلٍ للسلع بل كان تبادلا للاخلاق للقيم فالحضرمي لم يحمل البضائع فقط بل حمل معه أخلاقه ودينه وثقافته وصورته الى العالم لذلك حين انتشر الحضارم في شرق آسيا وأفريقيا لم يكونوا مهاجرين عابرين بل بناة حضارات صامتين يؤسسون باخلاق الاسلام قبل التجارة وبالحكمة قبل المال. أما القيادة في حضرموت فهي ليست سلطة تمارس بل مسؤولية تجسد والقائد هنا ليس من يعلو على الناس بل من يتماهى معهم والداعية الى دينه ليس من يخاطب العقول فقط بل من يلامس القلوب بسلوكه قبل كلماته لذلك خرج من هذه الأرض رجال حملوا الاسلام كرسالة رحمة لا كوسيلة صراع فكانوا جسوراً بين الشعوب لا جدراناً بينها وفي حضرموت أيضا يصبح الشعر فلسفة موازية للحياة فالشاعر لا يصف فقط بل يصنع لوحة ويعيد صياغة المشاعر بلغة تتجاوز حدود الزمان والمكان ومن بين هؤلاء يبرز الشاعر الكبير حسين ابوبكر المحضار الذي لم يكن شاعرا فحسب بل كان صوتا حضرميا خالصا يترجم البحر والإنسان والحنين في آن واحد وكما نعلم جميعا فإن هذا الصوت لم يكن وحيدا في الفضاء بل وجد صداه العميق في حنجرة استثنائية هي حنجرة أبو بكر سالم بلفقيه رفيق المحضار وصاحب الحنجرتين الذي لم يغن الكلمات فقط بل أعاد صناعتها لتغدوا إحساسا نابضا حتى أصبحت القصيدة أغنية والأغنية ذاكرة شعب بأكمله ولقد شكل هذا الثنائي حالة فنية وفلسفية نادرة فالمحضار يرسم لوحة بكلماته وأبو بكر سالم يمنحها صوتا وبين الكلمة والنغمة تولد حضرموت من جديد وهنا لم يكن الفن ترفا بل ضرورة إنسانية تعبر عن هوية أمة كاملة وتخلد وجدان شعب بأكمله.


حين تصل إلى المكلا تشعر أنك لا تدخل مدينة بل تدخل حالة شعورية مكتملة الاركان والمعاني فالمكلا ليست مباني وشوارع بل هي امتداد للبحر في البر وانعكاسٌ للروح في المكان وهناك يقف بحر العرب شاهدا على تقلبات الحياة هادئا حينا وصاخبا حينا اخر ولكنه دائما صادق في تعبيره كإنسان بسيط لا يجيد التمثيل ولعل أجمل ما قيل في هذا الوجدان هو قول المحضار في قصيدته (سر حبي فيك غامض) حينما قال لا تعذبني وإلا سرت واتركت المكلا لك إذا ما فيك معروف وحين تتردد هذه الكلمات بصوت أبو بكر سالم تتحول من معنى إلى تجربة ومن جملة إلى إحساس يلامس الأعماق وهنا يكتمل المشهد شاعر يكتب ومطرب يبدع ومدينة تحتضن هذا الجمال. وفي هذا الإطار الفلسفي جاءت زيارتنا إلى حضرموت لا كرحلة عمل فحسب بل كتجربة وجودية غنية فقد رافقت خلالها عددا من الزملاء لحضور ورشة عمل ضمن برنامج التغذية التابع لقطاع الرعاية الصحية الأولية بوزارة الصحة والمنفذ بالشراكة مع اليونيسف ولم تكن الورشة مجرد نشاط مهني بل كانت نافذة لفهم أعمق لدور الإنسان في خدمة اخية الإنسان.


قمنا بزيارة ميدانية بتكليف من معالي الوزير أ.د. قاسم محمد بحيبح وقد رافقنا فيها نخبة من القيادات الصحية وعلى راسهم الدكتور محمد راجمنار مدير عام صحة الأسرة والدكتور أحمد بن نويصر مدير عام الصحة بحضرموت الساحل إلى جانب فريق برنامج التغذية الدكتور محفوظ والدكتور بسام وكانت هذه النخبة تجسيدا عمليا لفلسفة القيادة التي تحدثنا عنها قيادة قريبة من الميدان ومن الناس ومن التفاصيل.


في اليوم الأول توجهنا إلى منطقة الشحير في مديرية غيل باوزير حيث اختلط عبق التاريخ بلون الحناء ورائحة التمباك وشعرنا أن المكان يروي قصصا لم تكتب بعد. أما اليوم الثاني فكان إلى الشحر تلك المدينة التي لا يمكن الحديث عنها دون استحضار روح المحضار وصوت أبو بكر سالم الذي منح كلماتها ذاكرة لا تنتهي. الشحر ليست مدينة عادية إنها ذاكرة شعرية مفتوحة ففيها ولدت الكلمات التي ما زالت تنبض بالحياة (باشل حبك معي بلقاه زادي ومرافقي في السفر) وحين تغنى هذه القصيدة تشعر أن السفر نفسه يتحول إلى نشيد وأن الحب يصبح وطنا متنقلا وكأن هذا الفن الحضرمي العظيم يقول لنا إن الإنسان لا يعيش بالمكان فقط بل بما يحمله في داخله من نغم وحنين.


لقد كانت الزيارة أكثر من رائعة بل كانت تجربة لا تمحى من الذاكرة ولم تكن جماليات المكان وحدها ما أبهرنا بل بساطة الإنسان الحضرمي وصدق التعامل وطيب الروح ومن هنا لا يمكن إلا أن نتقدم بالشكر العميق للدكتور أحمد بن نويصر على حسن الاستقبال وكرم الضيافة وكذلك للأخ عمر باجبار الذي لم يكتفِ بالتواصل والسؤال بل منحنا وقتا واهتماما صنع ذكريات لا تنسى وهي كذلك للرجل المخلص في عمله الاخ خالد الكلدي.


وفي الاخير يمكن القول إن حضرموت ليست محطة تزار بل حالة تعاش والمكلا ليست مدينة ترى بل إحساس يسكن القلب أما البحر فهو مرآة الإنسان كلما تأملت فيه اكتشفت شيئا جديدا عن نفسك وهكذا عدنا الى عدن من حضرموت لا محملين بالصور فقط بل بأسئلة أعمق ومعان أوسع وبصوت لا يزال يتردد في الذاكرة صوت أبو بكر سالم وهو يغني كلمات المحضار يارسولي توجه بالسلامة زر صحابي وبلغهم سلامي ليؤكد أن بعض الأماكن لا نغادرها لأنها ببساطة هي من ترفض أن تغادرنا.


د.عارف الحوشبي

مدير عام المركز الوطني للتثقيف والاعلام الصحي