آخر تحديث :الجمعة-08 مايو 2026-11:53م

اليمن ليس غنيمة… بل وطن لا يقبل القسمة ولا الوصاية

الأحد - 03 مايو 2026 - الساعة 02:22 م
احمد الشميري

بقلم: احمد الشميري
- ارشيف الكاتب


الوطن ليس ساحة عبث، ولا رقعة شطرنج تُحرّك فيها القطع وفق أهواء اللاعبين ولا "أسطوانة" نرقص عليها حين نشاء، ثم نكسرها حين تنتهي مصالحنا، أنه اليمن الكبير هوية متجذّرة، وتاريخ ممتد، ووجدان حيّ يسكن في ضمير كل مواطن، ذلك البلد الذي عرف الشورى واسلم مع سليمان وحقن الدماء.

الملكة بلقيس ينبغي أن تكون اليوم هي مصدر الإلهام للشعب اليمني بشماله وجنوبه وشرقه وغربه، ضد كل من يختزل اليمن في مشروع شخصي، أو يظن أنه قادر على إدارته كملكية خاصة، ذلك الذي يعتقد أنه صاحب القرار في مصالح الشعب لكنه في الواقع يعيش في واهم سياسي وقصر نظر، سرعان ما يصطدم بحقائق الجغرافيا والناس والتاريخ.

اليمن أكبر من أن يُختطف، وأعمق من أن يُختزل، وأقوى من أن يُدار بعقلية الغلبة والاستحواذ، هذه البلاد التي صمدت عبر القرون في وجه الإمبراطوريات والتحولات، لا يمكن أن تنكسر أمام نزوات أفراد أو مشاريع فئوية ضيقة، أو أجندة خارجية، فمن يعتقد أنه بإمكانه إشعال الصراعات متى شاء وإطفاءها متى أراد، كأنه يتحكم بمصير شعب كامل، يتجاهل أن الشعوب لا تُدار بالإملاء، بل تُحكم بالإرادة.

المشكلة اليوم ليست فقط في وجود الفساد، بل في محاولة تبريره، والتعايش معه، وإعادة إنتاجه بأشكال مختلفة، ومنها المحسوبية، والنهب، والتفرد بالقرار، وهي ليست مجرد أخطاء عابرة، بل هي أمراض تنخر جسد الدولة وتُفقدها معناها، وكل من يصمت عن هذه الممارسات، أو يبررها تحت أي ذريعة، يساهم بشكل مباشر في إطالة أمد الأزمة وتعميق جراح الوطن.

لقد أثبتت كل التجارب أن التفرد بالسلطة لا يبني دولة، بل يهدمها، وأن احتكار القرار لا يصنع استقرارًا، بل يولّد صراعات متلاحقة، وأن الإقصاء لا ينتج قوة، بل يخلق بيئة خصبة للانفجار، فالدولة لا تُبنى بعقلية "أنا أو لا أحد"، بل تقوم على الشراكة، والتوازن، والاعتراف المتبادل بين جميع مكوناتها.

اليمن اليوم بحاجة إلى مراجعة شجاعة، لا إلى خطابات إنشائية، بحاجة إلى مصارحة حقيقية، لا إلى تبادل للاتهامات، بحاجة إلى وعي جماعي يدرك أن استمرار الصراع يعني ضياع الجميع، وأن لا أحد سينتصر في وطن منهك، فكل طرف يعتقد أنه قادر على الحسم منفردًا، إنما يطيل أمد النزيف ويؤجل لحظة الحقيقة ويعيش في وهم لن يعرف حقيقته إلا حين يفقد روحه.

إن الرهان على الأشخاص، أو تقديس القيادات، أو انتظار "المنقذ"، لم يثمر سوى خيبات متكررة، فالوطن لا يُبنى بالأفراد، بل بالمؤسسات، ولا يُدار بالعواطف، بل بالقوانين، ولا يُحمى بالولاءات الضيقة، بل بالانتماء الحقيقي للوطن والهوية اليمنية، وكل تجربة راهنت على الفرد انتهت إلى أزمة وماتت، لأن الأفراد يخطئون ويموتون، أما المؤسسات فتصحح قوية وتنجح.

وفي قلب هذه المعادلة، تبقى الشرعية الحقيقية هي شرعية الشعب، وهو وحده هو مصدر القرار، وهو صاحب الحق في تحديد مستقبله، والحوار وحل جذور الخلافات هو الطريق الصحيح لمستقبل أكثر ازدهاراً ونماء، فمن يراهن على الصراعات والتفرد بالقرار هو من يدفع ثمن كل صراع وكل فشل، وأي سلطة تتجاهل هذه الحقيقة، أو تحاول الالتفاف عليها، تفقد مشروعيتها مهما امتلكت من أدوات القوة.

اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات، بل إلى مساحة مشتركة يجتمع فيها الجميع، لا يحتاج إلى أصوات تصرخ، بل إلى عقول تتحاور، لا يحتاج إلى مشاريع إقصاء، بل إلى رؤية جامعة تعترف بالتنوع وتستثمره كقوة، لا كتهديد.

الحوار ليس ضعفًا، بل شجاعة، والتنازل ليس هزيمة، بل وعي، والاتفاق ليس استسلامًا، بل انتصار للعقل على الفوضى، وكل من يرفض الحوار، إنما يختار طريقًا مسدودًا، حتى وإن بدا في لحظته قويًا.

اليمن أكبر من كل فاسد، وأكبر من كل تاجر حروب، وأكبر من كل من باع نفسه لأجندات خارجية، هذه الأرض لا تقبل أن تكون منصة لصراعات الآخرين، ولا أن تُدار وفق مصالح لا تمتّ لها بصلة، ومن يضع نفسه في هذا الموقع، يضع نفسه في مواجهة شعب كامل، لا ينسى ولا يغفر بسهولة.

اليوم، لم يعد هناك ترف، كل يوم يمر في ظل الانقسام هو خسارة جديدة، وكل لحظة تأخير في التفاهم هي تعقيد إضافي للأزمة، المسؤولية لم تعد على طرف دون آخر، بل على الجميع، إما أن نرتقي إلى مستوى التحدي، أو نترك الوطن ينهار تحت أقدامنا.

ومن هنا فإننا نؤكد أن الوطن ليس فكرة عابرة، بل عهد، والهوية ليست شعاراً نردده متى شأنا بل مسؤولية، واليمن ليس ملكًا لأحد، بل بيت للجميع، فإما أن نحميه معا شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً أو نخسره جميعاً ويومها سيتحول الجميع إلى عبيد للأفراد وطعم للطامعين بوطننا وخيراته.