آخر تحديث :الأحد-03 مايو 2026-02:10م

دهاء "الرجل الواحد".. كيف حسم نعيم بن مسعود معركة الأحزاب بـ "كلمة"؟

الأحد - 03 مايو 2026 - الساعة 11:32 ص
منصور بلعيدي

بقلم: منصور بلعيدي
- ارشيف الكاتب


توقف التاريخ طويلاً أمام تلك اللحظة التي بلغت فيها القلوب الحناجر، حين أحاط عشرة آلاف مقاتل بالمدينة المنورة من كل جانب.

كانت الوجوه شاحبة، والأمل ينفد، والرياح تصرخ في أزقة المدينة المنهكة.. لم يكن المشهد يحتاج إلى معجزة عسكرية فحسب، بل كان يحتاج إلى نوع فريد من الذكاء غير موازين القوى في ليلة واحدة.

وسط هذا الحصار الخانق، لم يخرج جيش عرمرم لفك الحصار، بل خرج *رجل واحد*. هو نعيم بن مسعود، الذي جاء إلى النبي ﷺ معلناً إسلامه في السر، واضعاً نفسه تحت تصرف القيادة: *"يا رسول الله، إن قومي لا يعلمون بإسلامي، فمرني بما شئت"*.

كان الرد النبوي دستوراً في فن الإدارة العسكرية والسياسية: *"إنما أنت رجل واحد، فخذّل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة"*.

لم يطلب منه النبي ﷺ المستحيل، بل طلب منه استغلال سلاح "الكلمة" و"الدهاء" في مهمة مستحيلة لكنها تحقفت بدهاء الرجل"خذّل عنا ما استطعت"*


*

انطلق نعيم، وفي جعبته خطة أدت إلى انهيار أضخم تحالف عسكري في ذلك الزمان دون إراقة قطرة دم واحدة. بدأت اللعبة الكبرى على جبهتين:

1*جبهة بني قريظة:*

توجه نعيم إليهم بصفته حليفاً قديماً، وزرع في قلوبهم بذور الريبة قائلاً: *"إن قريشاً وغطفان سيعودون إلى ديارهم إذا اشتد القتال، ويتركونكم لمواجهة المسلمين وحدكم"*. وأشار عليهم بذكاء أن يطلبوا "رهائن" من أشراف قريش كضمانة لعدم الانسحاب.

وبدأت خيوط اللعبة الكبرى بزرع الشك في قلب التحالف.


2.*جبهة قريش:*

ذهب إلى أبي سفيان وقادة الأحزاب، وأخبرهم بأن بني قريظة قد ندموا على نقض عهدهم مع محمد، وأنهم يخططون لاختطاف قادة من قريش وتسليمهم للمسلمين كقربان للصلح.

وحين جاء رسول قريش ليطلب من بني قريظة الهجوم، ردوا بالطلب الذي زرعه نعيم في عقولهم: *"أعطونا رهائن لنثق بأنكم لن تتركونا"*.

هنا صرخ أبو سفيان: *"صدق نعيم!"* وتيقن كل طرف أن الآخر يضمر له الشر.

في تلك الليلة، انهار الجدار الصلب للثقة بين الحلفاء.


تحولت نظرات التعاون إلى نظرات ريبة وشك، وتمزق الحلف من الداخل قبل أن يلتقي السيف بالسيف.


رحلت الأحزاب، وبقيت المدينة آمنة، وانتصر المسلمون بسلاح "العقل".

هكذا علمنا نعيم بن مسعود أن المعارك الكبرى لا تُحسم دائماً بقعقعة السلاح، بل إن *الدهاء أحياناً يكون أمضى من ألف سيف*.

لقد أثبت التاريخ أن "الرجل الواحد" بإمكانه تغيير مسار أمة، إذا ما امتلك الحكمة والقدرة على إدارة الصراع بعيداً عن صخب الميدان.