آخر تحديث :الأحد-03 مايو 2026-02:19م

حرب “البناكس”… حين تتحول المظاهرات إلى موسم للربح السياسي

الأحد - 03 مايو 2026 - الساعة 10:18 ص
د. غسان ناصر عبادي

بقلم: د. غسان ناصر عبادي
- ارشيف الكاتب


في مشهد يتكرر بوتيرة لافتة، تتزايد الدعوات إلى المظاهرات والمليونيات، وتتصاعد معها خطابات الحشد والتعبئة، غير أن المتأمل في خلفيات هذه التحركات يلحظ وجود أطراف محددة تستفيد منها بشكل مباشر، بعيدًا عن الشعارات المعلنة أو المطالب التي تُرفع في الساحات.


يمكن قراءة هذا المشهد من خلال ثلاثة أطراف رئيسية: طرف يحظى بدعم إقليمي من “الشقيقة الكبرى”، وطرف آخر مدعوم من “الشقيقة الصغرى”، وبينهما طرف ثالث أكثر براغماتية وخطورة، يتقن لعبة التوازنات ويستفيد من الدعم القادم من الجانبين معًا، هذا الطرف الأخير لا ينطلق من رؤية وطنية واضحة بقدر ما يتحرك بدافع المصلحة، ويجيد توظيف حالة الاستقطاب لتحقيق مكاسب آنية.


هذه الأطراف، على اختلاف توجهاتها، تلتقي عند نقطة واحدة: توظيف الحشود الشعبية لخدمة أجنداتها الخاصة، بينما يتم إقناع البسطاء بشعارات كبرى، مثل “الجنوب قادم”، في حين أن الواقع يعكس مسارًا مختلفًا، حيث تتجه العوائد الحقيقية إلى جيوب محددة، لا إلى تحسين حياة المواطنين.


وفي مقابل هذا الحراك المتكرر، تغيب الأولويات الحقيقية التي تمس حياة الناس بشكل مباشر، فالمواطن اليوم يواجه تحديات معيشية قاسية، في ظل انقطاع الرواتب لأشهر، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة توفير أبسط متطلبات الحياة الكريمة من سكن وغذاء وخدمات أساسية، هذه القضايا الملحّة تبدو أكثر إلحاحًا من أي دعوات للحشد التي لا تنعكس نتائجها على الواقع المعيشي.


إن إعادة توجيه البوصلة الشعبية نحو المطالبة بالحقوق الأساسية—كالرواتب المنتظمة، وتحسين الخدمات، وضمان العيش الكريم—يعد ضرورة وطنية وأخلاقية، فالتظاهر كوسيلة سلمية ينبغي أن يكون أداة للضغط من أجل تحسين حياة المواطنين، لا وسيلة لاستنزاف طاقاتهم وتوظيفهم في صراعات لا تخدمهم.


لقد عانى الناس سنوات طويلة من الأزمات والتقلبات، ولم يعد مقبولًا استمرار تدوير المعاناة تحت عناوين مختلفة، المطلوب اليوم وعي جمعي يميز بين الخطاب الحقيقي والخطاب الذي يُراد به تحقيق مصالح ضيقة، وحذر من الأطراف التي تتغذى على استمرار الأزمات وتعيد إنتاجها بأشكال متعددة.


في النهاية، تبقى مصلحة المواطن وكرامته المعيشية هي المعيار الحقيقي لأي تحرك أو دعوة، وما عدا ذلك يظل مجرد استثمار في معاناة الناس.


د. غسان ناصر عبادي