في جمهورية العبث، وفي يومٍ من تلك الأيام المنقوشة في ذاكرة الوجع، حيث تندفع الحشود في الميادين؛ لا لتصنع مستقبلاً بملاقط الدقة، ولا لتقيس الزمن بميزان الإنجاز، وقف رجلٌ غريبٌ خلف تلك الجموع. كان يحمل في صدره غصة وطن، وأمام ناظريه "نخبة" من عقولٍ استُلب لُبّها. هؤلاء ليسوا كالصينيين الذين استنبطوا معادلات السيادة، ولا كالفرنسيين وهم يقتفون أثر الفلسفة في دروب التنوير، ولا كالسويديين في مطاردتهم الحثيثة لرفاه الإنسان.
وقف ذاك الرجل، لا ليطرح على الجمهور الذي أضناه "هوس التصفيق" معادلةً في الفيزياء، بل ليلقي سؤالاً استعصى على منطق العلم وناموس التاريخ؛ سؤالاً يقع وراء حدود العقل والمنطق المعهود: كم من البشر في هذا العالم يصفقون لزعماء يقطعون عنهم شريان الراتب، ويحجبون عن عيونهم الضياء، ويجففون في مآقيهم منابع الماء والغاز؟
إن هذا السؤال ليس مجرد استفهام، بل هو ذروة السخرية السوداء. ففي عُرف العالم الحديث، لا يُصنَّف هذا التساؤل ضمن "الخيال العلمي"، بل يُعدّ "هذياناً عبثياً". لم يستوعب العقل البشري المنضبط، ولا الذكاء المتوثب في دهاليز المعرفة، أن ثمة بقعة على هذا الكوكب تقتات على "العدم"، وتُسبّح بحمد "المعدِم"!
قوبل السؤال بالاستنكار، وصار صاحبه في نظر القطيع "مخبولاً" يجب طرده؛ فالعقل الجمعي لم يجد إجابة منطقية تبرر هذا الانتحار المعنوي. لقد أجمع الثوار عبر التاريخ على أن صروح السلطة ما بُنيت إلا لحماية الإنسان وصقل العقول، لا لتمجيد الجهل وتكريس الجنون. فلماذا نحن متهمون دائماً بتشويش مسامع العالم بترهاتٍ لا يقبلها حتى المعتوهون؟
أمام هذا "اللامنطق"، انسحب الأكاديميون والعقلاء تباعاً، يفرون بوعيهم من عدوى العبث. غادروا منصات التواصل يجرجرون أذيال الأسف على دقائق ضاعت في توصيف حالة "سريالية" لا تنتمي لعالم البشر السوي. وبقي القليل من المتنورين وحيدين في وادٍ من الصمت، يواجهون حقيقة بلادهم التي خرجت عن "نطاق" الإنسانية.
إنها "بلاد الصفر"، حيث تلاشت القيمة وصار الإنسان مجرد رقمٍ مهمل، وغرقت الهوية في ضجيج الشعارات الجوفاء. مفارقة عجيبة أن نعيش كل فصول الثورات، ويدّعي الكل التحرر من الكل، بينما الواقع يغرق في التبعية!
يتمزق الثوار جوعاً، ويفترش المواطنون الهمّ ويلتحفون الظلام في غياب الكهرباء والراتب، لكنهم – ويا للعجب – يخرجون بملء إرادتهم ليرفعوا عالياً صورة "الزعيم" الذي سرق الضوء من عيونهم! إنها "سيكولوجية التصفيق" التي ورثناها تحت وطأة "الصميل"، حتى خُيّل للبعض أن لا عيش إلا بالتهليل للجلاد. كيف استحال الحرمان في وعينا "إنجازاً ثورياً"؟ وكيف صار التجويع وساماً يتقلده الطغاة وسط زغاريد الضحايا؟
ما يحدث اليوم ليس موقفاً عابراً، بل هو مرآة كاشفة للفجوة الهائلة بين عالمٍ يقدس "الإنسان" وعالمٍ ما زال يقدس "الأصنام". وبينما تغادر الشعوب محطات الجهل نحو آفاق النور، قرر البعض في بلادي الإقامة الجبرية في قاع الانهيار. هناك، لا يكتفي الجلاد بسلب الحقوق، بل يفرض على الضحية أن تؤدي "ألحان التصفيق" ضريبةً لهذا السلب.
متى يدرك هذا الشعب أن الوطن الذي لا يمنحك رغيفاً أو ضوءاً هو سجنٌ كبير، وأن الذي يسلبك حياتك لا يستحق منك الولاء.. بل يستحق المحاكمة!