آخر تحديث :السبت-02 مايو 2026-02:24م

يفدو بكم على لحج!!

الجمعة - 01 مايو 2026 - الساعة 11:23 م
د. عارف محمد عباد السقاف

بقلم: د. عارف محمد عباد السقاف
- ارشيف الكاتب


بقلم: د/ عارف محمد عباد السقاف


ما يوجع القلب حقا ليس مجرد اختلاف في الانتماء، بل هذا الجحود الذي يصل حد التنكر لمكان احتضن الإنسان ومنحه الحياة الكريمة بعد أن كان جده هاربا من الثأر أو مكسورا أو باحثا عن الأمان.

لحج، وتحديدا الحوطة وتبن، لم تكن يوما أرضا مغلقة أو بيئة طاردة، بل كانت عبر التاريخ ملاذا آمنا لكل من ضاقت به أرضه. في عهد سلاطين آل عبدلي، لم يكن التعامل مع الوافد قائما على الإقصاء أو التمييز، بل على الاحتواء والاندماج. من جاء خائفا من ثأر، أو فارا من نزاع، أو مطرودا من أرضه، وجد في لحج أرضا تمنحه السكن، والارض الزراعية، والعمل، بل والمكانة والمنصب في السلطنة العبدلية و داخل المجتمع، حتى وصل الحال بالبعض أن يكون جزءا من الإدارة والبنية الاجتماعية وكأنه من أهلها الأصليين.

هذه ليست روايات مبالغ فيها، بل واقع يعرفه كبار السن وتؤكده الذاكرة الجمعية. لحج لم تسأل أحدا من أين جئت أو ما اصلك؟ بل كانت تقول أنت الآن منا، لك ما لنا وعليك ما علينا.

وفي المقابل، أبناء لحج لم يكونوا يوما منغلقين على أنفسهم. خرجوا إلى المناطق المجاورة معلمين وأطباء وموظفين، يحملون رسالة علم وخدمة، دون أن ينتظروا مقابلا أو يرفعوا شعارات فضل أو منة. كانوا يؤدون واجبهم تجاه مجتمع أوسع، بروح إنسانية صادقة.

لكن المؤلم اليوم أن البعض ممن ترعرع في لحج، وأكل من خيرها، وشرب من مائها، وبنى حياته على أرضها، يتنكر لها حين يسأل: من أين أنت؟ فيسارع للانتساب إلى محافظة أخرى، ربما لم يرها إلا في الزيارات، أو ربما لم تطأها قدمه أصلا إلا عبر الحكايات أو أن جده عاش هناك.

هذا ليس مجرد اختيار شخصي بريء، بل يحمل في طياته دلالات مؤلمة هو إنكار للواقع الذي عاشه، وتجاهل للفضل الذي ناله، وقطع لرابطة الانتماء التي تشكلت عبر عقود.

الانتماء ليس مجرد أصل بعيد، بل هو أيضا حياة معاشة، و ذاكرة، وعلاقات، وأرض احتضنتك عندما كنت في أشد الحاجة إليها. من حق الإنسان أن يعتز بجذوره، لكن ليس من الكرامة أن يفعل ذلك عبر إنكار الحاضر أو التنكر لمن أحسن إليه.

بل إن الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك يضرب في عمق القيم الاجتماعية التي قامت عليها لحج: قيم المروءة، والوفاء، ورد الجميل. عندما يصبح الجحود أمرا عاديا، فإننا لا نخسر مجرد انتماء جغرافي، بل نخسر منظومة أخلاقية كاملة.

ولعل ما يزيد الألم أن لحج لم تبخل يوما، ولم تعاير أحدا بأصله، ولم تذكر فضلها على أحد، لكن يبدو أن بعض النفوس لا تدرك قيمة النعمة إلا حين تفقدها، ولا تعترف بالفضل إلا حين تغيب المروءة.

الانتماء الحقيقي لا يتعارض مع الأصل، بل يكمله. من عاش في لحج، وتربى فيها، وبنى مستقبله ومستقبل أولاده على أرضها، فله فيها حق، وعليه لها واجب. وأبسط هذا الواجب أن لا يتنكر لها، ولا يمحوها من هويته، وكأنها محطة عابرة وليست وطنا احتضنه.

ما نحتاجه اليوم ليس فرض الانتماء، بل إحياء معنى الوفاء. أن يقول الإنسان: أنا من هنا أيضا، من الأرض التي ربتني و احتضنت جدي وابي، لا أن يختزل نفسه في ماض بعيد وينكر حاضر عاشه بكل تفاصيله.

فالتاريخ لا ينسى، والأرض لا تجحد، لكن الإنسان هو من يختار: إما أن يكون وفيا، أو أن يسجل على نفسه موقفا لن يمحوه الزمن.