آخر تحديث :السبت-02 مايو 2026-02:24م

التظاهر في 4 مايو: بين شرعية التفويض ومسؤولية الخطاب

الجمعة - 01 مايو 2026 - الساعة 02:41 م
د. غسان ناصر عبادي

بقلم: د. غسان ناصر عبادي
- ارشيف الكاتب


تطرح في المشهد الجنوبي جملة من التساؤلات الجوهرية بشأن الدعوة إلى التظاهر في الرابع من مايو، بهدف تجديد التفويض لرئيس المجلس الانتقالي، في وقت يشهد فيه الواقع السياسي تحولات وتعقيدات تستدعي قراءة أكثر اتزاناً وعمقاً، فالقضية لا تتعلق بمجرد فعالية جماهيرية، بقدر ما ترتبط بطبيعة الخطاب السياسي ومآلاته على وحدة الصف الجنوبي.


إن الإشكالية الأبرز تكمن في تصاعد خطاب احتكار التمثيل، حيث يقدم طرف بعينه باعتباره المعبّر الحصري عن الجنوب، في مقابل تهميش أو إقصاء بقية القيادات والشخصيات الجنوبية الفاعلة، سواء في المؤسسات العسكرية أو السياسية أو ضمن هياكل السلطة القائمة، وهو طرح يفتقر إلى الواقعية السياسية، ويتجاهل التعدد القائم فعلياً في الخارطة الجنوبية.


فالقوى والشخصيات التي تستبعد اليوم من معادلة التمثيل، هي ذاتها التي كانت حتى وقت قريب تقدم ضمن إطار الشراكة، وتُعد جزءاً من مشروع تمثيل الجنوب، ولم يطرأ على هذه المعادلة تغيير جوهري سوى تبدلات في المواقع أو إعادة توزيع النفوذ، وهو ما يجعل إعادة تعريف “التمثيل” وفق معايير ظرفية أمراً يضعف من مصداقية الخطاب ويثير تساؤلات مشروعة حول دوافعه.


كما أن الإصرار على خطاب الإقصاء، والتشكيك في “جنوبية” أو شرعية تمثيل الآخرين، ينطوي على إساءة مباشرة لشريحة واسعة من الجنوبيين، ويؤسس لمناخ من الانقسام لا يخدم سوى تعقيد المشهد وتعميق أزماته، فالتنوع داخل الجنوب ليس نقطة ضعف، بل هو معطى طبيعي ينبغي إدارته عبر التوافق لا الإلغاء.


وفي السياق ذاته، فإن استمرار خطاب التحشيد ضد مكونات جنوبية أخرى، خصوصاً تلك المنخرطة في إدارة المحافظات، يحمل مخاطر حقيقية بانزلاق الأوضاع نحو صدامات داخلية، في ظل شعور كل طرف بأحقيته في التمثيل والدفاع عن مصالحه، وهو مسار بالغ الخطورة، لا سيما في بيئة تعاني أصلاً من هشاشة سياسية واقتصادية.


لقد أثبتت التجربة أن المواطن الجنوبي أصبح أكثر إدراكاً لطبيعة هذه الصراعات، وأكثر وعياً بالفارق بين الخطاب السياسي والممارسة على الأرض، وهو اليوم لم يعد معنياً بشعارات التفويض بقدر ما يطالب بمعالجة قضاياه المعيشية الملحة: من خدمات أساسية، وانتظام صرف الرواتب، وتحسين مستوى الحياة.


إن المرحلة الراهنة تفرض ضرورة مراجعة جادة للخطاب السياسي، والانتقال من منطق الاحتكار إلى منطق الشراكة، ومن الإقصاء إلى الاعتراف بالتعدد، بما يضمن بناء موقف جنوبي متماسك وقادر على مواجهة التحديات، فمستقبل الجنوب لن يصاغ بخطاب أحادي، بل برؤية جامعة تستوعب الجميع دون استثناء.


د. غسان ناصر عبادي