آخر تحديث :الأربعاء-29 أبريل 2026-02:18م

بين واشنطن وطهران… هل نحن أمام لعبة توم وجيري جديدة أم على أبواب كارثة خليجية؟

الأربعاء - 29 أبريل 2026 - الساعة 01:05 م
م. صالح بن سعيد المرزم

بقلم: م. صالح بن سعيد المرزم
- ارشيف الكاتب


منذ عقود والمنطقة تعيش على إيقاع مشهد متكرر: تصعيد أمريكي، ردود إيرانية، تهديدات متبادلة، تحريك أساطيل بحرية، تصريحات نارية، ثم تعود الأمور إلى تهدئة مؤقتة لا تنهي الأزمة بل تؤجلها فقط. وكأن العالم أمام مسلسل طويل من لعبة “توم وجيري”، يركض فيه الطرفان بلا حسم، بينما تدفع المنطقة ثمن التوتر في الاقتصاد والأمن والاستقرار.


اليوم يعود السؤال بقوة: ما المرحلة القادمة؟ وهل يمكن أن تنتقل المواجهة من التهديد السياسي والعسكري إلى استهداف النفط والبيئة والممرات البحرية؟


إيران تدرك أن النفط ليس مجرد سلعة، بل ورقة ضغط استراتيجية، وأن مضيق هرمز يمثل شرياناً حيوياً يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. لذلك كلما اشتد الضغط عليها، عادت الرسائل المرتبطة بالمضيق، وبأمن الملاحة، وبقدرة الأسواق على تحمل الصدمات.


لكن هل يمكن أن توقف إيران إنتاج نفطها بالكامل؟ هذا السيناريو يبقى مستبعداً في المدى القريب، لأن الاقتصاد الإيراني يعتمد بدرجات متفاوتة على عائدات الطاقة، وأي توقف واسع وطويل سيصيب الداخل الإيراني قبل غيره. كما أن بعض الحقول النفطية إذا أُغلقت لفترة طويلة قد تواجه تحديات تقنية وتكاليف مرتفعة عند إعادة التشغيل. ولهذا فإن وقف الإنتاج الذاتي ليس الخيار الأول إلا في ظروف استثنائية.


أما السيناريو الأخطر فهو استخدام النفط كسلاح فوضوي، سواء عبر تسربات متعمدة، أو استهداف ناقلات، أو خلق حوادث بيئية في مياه الخليج. وهنا ستكون الأضرار أوسع من مجرد ارتفاع الأسعار، لأن الخليج يعتمد عليه ملايين البشر في الغذاء والماء والطاقة. أي تلوث واسع قد يضرب الحياة البحرية، والثروة السمكية، والسواحل، ومحطات التحلية التي تعتمد عليها دول المنطقة اعتماداً أساسياً.


ويجب هنا قول الحقيقة بوضوح: إيران دولة أظهرت في محطات كثيرة سلوكاً متهوراً، ولذلك فإن ردود فعلها قد تتجاوز الحسابات التقليدية. ما يُستبعد عند دول أخرى قد يبقى وارداً معها، وهذا ما يجعل التعامل مع الأزمة أكثر تعقيداً. فحين تختلط الأيديولوجيا بالحسابات العسكرية، يصبح المتوقع أقل من غير المتوقع.


لكن رغم ذلك، فإن السيناريو الأقرب ليس الانفجار الشامل، بل استمرار سياسة الضغط دون الانفجار: تهديدات محسوبة، رسائل بحرية، عمليات غير مباشرة، عقوبات، ومفاوضات خلف الستار. فجميع الأطراف تدرك أن إشعال الخليج أو تلويث مياهه سيستفز العالم بأسره، ولن يكون ضرره على خصم واحد فقط.


وهنا يبرز دور المملكة العربية السعودية ودول الخليج في إدارة المرحلة بحكمة وصلابة، عبر تعزيز الأمن البحري، وحماية المنشآت الحيوية، وتطوير خطط الطوارئ البيئية، وتوسيع بدائل التصدير والمياه. فالقوة مطلوبة، لكن الحكمة في مثل هذه اللحظات أثمن من أي سلاح.


الخلاصة أن لعبة “توم وجيري” بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران قد تستمر، لكن الخليج لا يحتمل أن يتحول إلى ساحة عبث بالنفط أو الماء أو البيئة. لأن خطأً واحداً أو قراراً متهوراً قد يغيّر قواعد اللعبة كلها، ويدفع الجميع ثمناً باهظاً.