آخر تحديث :الثلاثاء-28 أبريل 2026-02:46م

حوار الطرشان بين واشنطن وطهران… صراع يُدار لا يُحسم، وحكمةٌ تصنع التوازن

الإثنين - 27 أبريل 2026 - الساعة 10:40 م
م. صالح بن سعيد المرزم

بقلم: م. صالح بن سعيد المرزم
- ارشيف الكاتب


منذ عقود، والعالم يتابع المشهد ذاته يتكرر بصيغ مختلفة: تصريحات نارية، تهديدات متبادلة، عقوبات اقتصادية، تحركات عسكرية، ثم فجأة قنوات خلفية ورسائل سرية ومفاوضات غير معلنة. وكأننا أمام مسرحية طويلة تتغير فيها الفصول، لكن النص يبقى كما هو. لذلك لم يعد السؤال: هل هناك صراع؟ بل أصبح السؤال الأهم: من المستفيد من استمرار الصراع دون حسم؟


ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران لا يبدو في كثير من مراحله صدامًا تقليديًا بين خصمين يريد كل منهما إسقاط الآخر، بل أقرب إلى إدارة نزاع محسوب، تُستخدم فيه لغة الحرب لخدمة أهداف السياسة، وتُستثمر فيه الأزمات لصناعة مكاسب تفاوضية واقتصادية واستراتيجية.


أمريكا تدرك أن إيران ليست مجرد دولة، بل شبكة نفوذ ممتدة عبر أذرع متعددة في المنطقة، وتعرف أن بقاء هذا الخطر ضمن سقف معيّن يمنحها مبررات دائمة لإعادة ترتيب التحالفات، وتعزيز الحضور العسكري، وتنشيط أسواق السلاح. وفي المقابل، تدرك إيران أن استمرار العداء مع واشنطن يمنحها خطابًا تعبويًا داخليًا، ومساحة مناورة خارجية، وأوراق ضغط تفاوضية تستخدمها كلما اشتد الخناق.


إنها باختصار لعبة القطّة والفأر؛ القطّة تُظهر مخالبها لتخيف، والفأر يهرب ثم يعود من ممرات يعرفها جيدًا، ثم تبدأ الجولة من جديد. لا حرب شاملة تُنهي الملف، ولا سلام نهائي يُغلقه، بل توتر دائم محسوب الجرعات، تدفع المنطقة ثمنه في أمنها واقتصادها واستقرارها.


المؤلم أن الشعوب هي من تدفع الفاتورة دائمًا. أسواق ترتبك، استثمارات تتراجع، عملات تهتز، وأعصاب الملايين تُستهلك في انتظار مواجهة قد لا تقع أصلًا. أما الكبار، فيجيدون تدوير الأزمة كما يُدار محرك قديم: ضجيج مرتفع… وحركة محدودة.


لكن وسط هذا الضباب، برز نموذج مختلف في إدارة الأزمات، يتمثل في الحكمة السعودية. فالمملكة العربية السعودية أثبتت أنها دولة تعرف متى تحزم، ومتى تصبر، ومتى تمد يد التهدئة دون أن تتنازل عن أمنها أو مكانتها. لم تنجرّ خلف الاستفزازات، ولم تقع في فخ ردود الفعل المتسرعة، بل تعاملت بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة.


السعودية أدركت مبكرًا أن المنطقة لا تحتمل مزيدًا من الحرائق، وأن تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة صراع مفتوح لن يصنع إلا الخراب. لذلك اختارت أن تكون ركيزة توازن واستقرار، تبني قدراتها، وتحمي مصالحها، وتفتح أبواب الحلول حين تتوفر فرصها. وهذا ما يميز الدول الكبرى: أنها لا تُدار بالغضب، بل بالبصيرة.


لقد أصبح واضحًا أن أخطر ما في هذه اللعبة ليس الحرب نفسها، بل اعتياد العالم على التوتر حتى يصبح مشهدًا يوميًا عاديًا. وعندما تتحول النار إلى خبر متكرر، ينسى الناس حجم الخطر الحقيقي القادم.


ويبقى السؤال: إلى أين؟

إلى أن تدرك شعوب المنطقة أن خلاصها لا يأتي من واشنطن ولا من طهران، بل من مشروع عربي قوي تقوده الدول العاقلة، ويعيد القرار لأهله، ويُنهي زمن المتاجرة بالأزمات.


وفي زمن الضجيج، تبقى الحكمة السعودية عنوانًا لدولة تعرف كيف تعبر العواصف دون أن تفقد بوصلتها، وكيف تصنع الاستقرار بينما الآخرون يتقنون صناعة الفوضى.