في تعقيدات المشهد اليمني، لم تعد الكلمة مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل تحولت إلى مرآة تعكس توازنات القوى وصراعات الإرادات. وحين تضيق مساحات البوح وتتسع "جغرافيا الخوف"، يبرز الجدل حول صمت الأقلام تجاه جرائم الاغتيالات الممنهجة ليفتح الباب واسعاً أمام قراءة سيكولوجية وسياسية أعمق من مجرد "تبرير مهني"؛ قراءة تكشف لنا عن حقيقة الصراع بين مشاريع الترهيب ومشاريع المدنية.
سيكولوجية النقد الآمن: اعترافات تحت سطوة الخوف
في المدن التي تحكمها فوهة البندقية، لا تصبح الكلمة مجرد وسيلة تعبير، بل كاشفاً جيولوجياً عن طبقات الخوف. فحين يعترف الكاتب —أي كاتب— بعجزه عن إدانة القتلة بذريعة السكن في جغرافيتهم، فإنه لا يقدم مبرراً شخصياً فحسب، بل يمنح العالم صك إدانة علنياً ضد القوى التي تفرض هذا الصمت القسري. لكن المفارقة تكمن في المسار البديل الذي يتخذه هذا النوع من الخطاب؛ فبدلاً من ممارسة الصمت التام، يندفع البعض في كيل الاتهامات ضد أطراف سياسية محددة، وهي مفارقة نقدية بليغة.
إن هذا السلوك يمثل —في جوهره— "شهادة أمان ضمنية" يمنحها الخصوم لمؤسسة العمل السياسي المدني، وفي مقدمتها حزب الإصلاح. فالهجوم الشرس على قيادات هذا الحزب نابع من شعور عميق في "العقل الباطن" بأن هذا الطرف يمتلك مشروعاً سياسياً يحتكم للقانون، ولا يمتلك "فرق اغتيالات" أو أدوات ترهيب تلاحق الأقلام رداً على الكلمة. ومن هنا، يصبح الهجوم على الإصلاح "فعلاً آمناً"، بينما الدفاع عن ضحايا الاغتيالات "فعلاً انتحارياً"؛ وهذا في حد ذاته أكبر اعتراف بمدنية المستهدف ودموية المسكوت عنهم.
هندسة "الإرهاب" بين التوظيف السياسي والواقع الأخلاقي
هذا الواقع المحلي المرير ليس معزولاً عن سياق دولي أكثر تعقيداً، حيث يتم توظيف مصطلح "الإرهاب" كأداة هندسة سياسية تفتقر للمحيط الجنائي المنضبط. لقد كشفت السياسات الدولية الكبرى في العقدين الأخيرين أن المعركة الحقيقية لم تكن يوماً ضد العنف المجرد، بل ضد كل "استقلال سياسي" يستند إلى مرجعية وطنية أو هوية حضارية ترفض التبعية.
إن المعضلة الكبرى تكمن في محاولة اختزال "العنف" في صورة كل من يقف ضد مشاريع الهيمنة في المنطقة. وإذا اعتمدنا المعايير الأخلاقية والقانونية، فإن الإرهاب الحقيقي هو استهداف المدنيين وممارسة العنف خارج إطار الدولة لكسر إرادة المجتمعات. وبإسقاط هذه المعايير على حزب الإصلاح، نجد أنفسنا أمام تنظيم دفع أثماناً باهظة من دماء كوادره في عمليات اغتيال ممنهجة، ومع ذلك تمسك بأدوات العمل السلمي تحت مظلة الشرعية. إن "شيطنة" هذا المشروع ليست حكماً على سلوكه، بل حكماً على فكرته وقدرته على التعبئة الشعبية المستقلة التي تهدد خرائط النفوذ التقليدية.
الثبات كأداة للمقاومة: النور لا يطفأ بالأفواه
إن ما يمر به حزب الإصلاح اليوم، من حملات تحريض مسعورة، هو ضريبة التصميم على استقلال القرار الوطني. فالقوى التي تحاول إطفاء هذا الوجود السياسي تدرك أن خطورته لا تكمن في السلاح، بل في كونه نموذجاً يقبل بالشراكة الديمقراطية ويدور في فلك الدولة.
حين يصبح "الباطل" منظومة تفرض تصنيفاتها بقوة النفوذ، يتحول الثبات على القيم إلى "ثورة هادئة". إن القوة قد تفرض صمتاً مؤقتاً عبر "جغرافيا الخوف"، وقد تشوه المعاني عبر ترسانات الإعلام، لكنها أبداً لن تستطيع تغيير جوهر الحقيقة. ستبقى تلك "الشهادات اللاشعورية" وواقع الصمود اليومي تؤكد حقيقة واحدة: أن المشاريع التي تنمو في تربة الحق والمدنية لا يمكن إبادتها بقرارات سياسية أو بكاتم صوت؛ وأن الشعوب التي تؤمن بحقها في الكرامة هي التي ترسم ملامح المستقبل، مهما طال ليل الهيمنة.