لم تكن الديمقراطية في اليمن حدثاً عابراً، بل كانت بذرةً زُرعت مع فجر الوحدة، وتحديداً مع أول انتخابات برلمانية تعددية في السابع والعشرين من أبريل 1993. يومها بدا المشهد وكأنه إعلان ميلادٍ سياسي جديد، تُفتح فيه أبواب المشاركة، وتُختبر فيه إمكانية بناء دولة تُدار عبر الصندوق لا عبر الغلبة، دولة تقوم على الفكرة لا على القوة وحدها. كانت تلك البذرة صغيرة، لكنها حملت وعداً كبيراً. ومع مرور السنوات، بدأت تنمو داخل الواقع السياسي، لتنتقل من فكرة التأسيس إلى خطوات عملية أكثر وضوحاً في بناء التجربة الديمقراطية.
ففي السياق الدستوري، تم تفعيل آلية التعديلات الدستورية كإجراء منظم لضبط المسار الدستوري ومنع المساس العشوائي به، وتم إدخال تعديلات متعاقبة في 1994م ( ثم 2001م ثم 2009م) ، بما عكس محاولة لتثبيت قواعد اللعبة السياسية ضمن إطار مؤسسي أكثر استقراراً.
وفي عام 1999م جرت أول انتخابات رئاسية بالاقتراع المباشر، في محطة مثّلت تطوراً مهماً في مسار التجربة الديمقراطية، حيث تم الاحتكام إلى صناديق الاقتراع في اختيار رأس الدولة، بما عزز صورة الديمقراطية الناشئة رغم ما رافقها من اختلالات لكن المساهمة في حد ذاتها شي إيحابي ويكفي شعور أن صوتك مهم في اختيار حاكميك .
وفي فبراير 2001م جرت أول انتخابات مباشرة للمجالس المحلية، لتشكل أول اختبار عملي للحكم المحلي المنتخب، كإطار قانوني لتوسيع المشاركة الشعبية في إدارة الشأن المحلي، وذلك تنفيذاً لقانون السلطة المحلية الصادر عام 2000م ولائحته التنفيذية. ويتكون نظام المجالس المحلية من مستويين: المحافظات والمديريات، حيث يُنتخب أعضاء المجالس مباشرة من الشعب، بينما يُعيَّن المحافظون ومديرو المديريات.
ثم جاءت الانتخابات البرلمانية في 2003م لتواصل ترسيخ التعددية السياسية، ضمن مسار تدرجي في بناء التجربة الديمقراطية. وبلغت التجربة ذروتها النسبية في 2008م، مع اتساع نطاق الحكم المحلي وتفعيل المشاركة السياسية على المستوى الإداري، بما عكس اتجاهاً نحو تعميق اللامركزية وتوسيع قاعدة القرار. حيث تم اعتماد انتخاب المحافظين بشكل مباشر من قبل أعضاء المجالس المحلية المنتخبين من المواطنين، في خطوة عززت مبدأ الحكم الشعبي ومسار الديمقراطية، وكان يُفترض أن يتطور ذلك لاحقاً نحو انتخابهم مباشرة من قبل المواطنين كلٌ في نطاق محافظته وحدودها الجغرافية.
لكن ذلك المسار، الذي بدا تصاعدياً في بناء التجربة الديمقراطية، بدأ لاحقاً في التراجع. فقد جاءت أحداث 2011م لتشكل نقطة انعطاف حادة، حيث تم استبدال منطق الصندوق بمنطق الشارع، وانتقل مركز القرار من المؤسسات إلى الفعل الاحتجاجي، بما حمله ذلك من إعادة تشكيل عميقة لمعادلات السلطة خارج الأطر الديمقراطية التقليدية، وتآكل تدريجي لمرجعية المؤسسات. ثم جاء عام 2014م ليعلن عملياً نهاية ذلك المسار، مع انهيار التوافقات السياسية، ودخول البلاد في مرحلة الصراع المفتوح، وتعدد مراكز السلطة، وتراجع المؤسسات الدستورية، بما جعل العملية الديمقراطية تتوقف فعلياً عن أداء وظيفتها، لا كنصوصٍ غائبة، بل كواقعٍ غير قابل للتطبيق.
وفي خضم هذا المسار المتعثر، جاءت صدمة اليمنيين اليوم أكثر قسوة من أي توصيف سياسي. فبين طموحٍ كبير كان يحلم بدولة حديثة ومجتمع يشارك في صنع القرار، تقلصت الأحلام حتى وصلت إلى حدود البقاء ذاته؛ إلى مجرد البحث عن لقمة العيش، وعن أمنٍ وأمانٍ لم يعودا مضمونين. وتحول المشروع الوطني من سؤال الدولة إلى سؤال الحياة اليومية، ومن أفق المشاركة إلى همّ النجاة.
وهكذا يمكن قراءة المسار الديمقراطي في اليمن كرحلة بدأت ببذرة 1993م، وتدرجت عبر محطات دستورية وانتخابية ومؤسسية متتابعة، قبل أن تبلغ ذروتها النسبية، ثم تتعرض لاختلالات عميقة انتهت بتوقفها. إن ما حدث لا يمكن توصيفه مجرد فشل تجربة، بل هو مسار تاريخي غير مكتمل؛ مسار أثبت أن الفكرة وُجدت، لكنها لم تُحمَ بالشكل الكافي لتستمر. فالديمقراطية لا تُقاس ببدء التجربة، بل بقدرتها على الاستمرار والتجذر، وعلى تحويل الفكرة إلى مؤسسة لا إلى لحظة.
وبين البذرة الأولى والأفول الأخير، يبقى السؤال مفتوحاً: هل انتهت الديمقراطية فعلاً، أم أنها دخلت في حالة غياب مؤقت تنتظر شروط إعادة الإحياء؟
التاريخ لا يُغلق أبوابه بسهولة، لكنه يترك دائماً نافذة للعودة… إن توفرت الإرادة.