آخر تحديث :الإثنين-27 أبريل 2026-03:29م

القومية العربية .. والتحديات القائمة ..!!

الإثنين - 27 أبريل 2026 - الساعة 11:48 ص
إبراهيم ناصر الجرفي

بقلم: إبراهيم ناصر الجرفي
- ارشيف الكاتب


بدون مقدمات الأمة التي لا تمتلك مشروع قومي جامع هي أمة فاشلة وضعيفة ومستباحة وعاجزة ، وتعاني من الشتات والفرقة والانقسام والصراعات الداخلية ، فالمشروع القومي لأي أمة هو بمثابة صمام الأمان لها والقوة الدافعة لإنطلاقها نحو التنافس الحضاري بكل ثقة واقتدار ، ومصدر قوة وعزة وكرامة وفخر لكل أبنائها ، وسياج منيع لحماية اراضيها وثرواتها وخيراتها من الاعتداءات الخارجية والاطماع الاستعمارية ، والمشروع القومي هو الفكرة السامية والعظيمة التي يلتف حولها الجميع ، ويتفانون في سبيل الدفاع عنها ، ولا يمكن نجاح أي عمل في هذه الحياة صغير أو كبير على مستوى الأفراد أو الشعوب أو الأمم إذا لم ترسم معالمه وتحدد أهدافه وبرامجه وغاياته في اطار مشروع واضح المعالم ، يتم الالتزام بضوابطه والسير على هداه ، ونجاح أي أمه هو نتاج نجاح مشروعها القومي ، الذي يتضمن منهجها الفكري والعلمي والتقدمي والسياسي والاقتصادي والحضاري ..!!


إن أي أمة لا تمتلك مشروع قومي شامل هي كالجسد بلا عقل وبلا قيادة وبلا هدف ، هي كالأعمى الذي يتحبط في الظلام ولا يعرف إلى أين يتجه وفي أي طريق يسير ، فالمشروع القومي هو عقل الأمة وفكرها وقوتها ونورها وضميرها وقائدها نحو الريادة والحضارة ، والأمة التي تمتلك مشروع قومي لن تهزم ولن تذل ولن تهان ولن تستعبد ولن تستعمر ولن تخترق ولن تستباح ، فالمشروع القومي هو حياة الأمة ووجودها وكيانها وعنوان قوتها وسيادتها ، فالقومية كانت وما تزال وستظل مصدر إلهام وتماسك وقوة لكل أبنائها ، وكل الدعوات المناطقية والمذهبية والطائفية والعنصرية والفئوية تصغر وتتقزم في حضور القومية ، لأن القومية توحد القلوب وتصقل الأفكار وتشحذ الهمم نحو غايات وأهداف كبيرة وعظيمة ..!!


لذلك تعمل القوى الدولية ذات الأطماع الاستعمارية عبر التاريخ البشري على اجهاض ومحاربة المشاريع القومية للأمم الأخرى ، حتى تستبيح أراضيها وتنهب مقدراتها وامكانياتها وثرواتها ، فالأمة التي ليس لديها مشروع قومي هي أمة بلا سلاح وبلا خطوط دفاع ، من السهل هزيمتها واذلالها والسيطرة عليها والتحكم في قرارها ونهب ثرواتها ، والشاهد من ذلك أن ما تعيشه الأمة العربية اليوم من ضعف وتمزق وعجز وتبعية وتراجع وتخلف وفشل هو النتيجة الطبيعية لعدم التفاف شعوبها حول المشروع القومي العربي وعدم تمسكها به ، ومن الطبيعي مشاهدة تنامي وتطور وتصاعد الدعوات والصراعات والخلافات المناطقية والمذهبية والطائفية بين أفرادها ، ففي ظل غياب المشروع القومي الكبير الجامع والشامل من الطبيعي أن تظهر وتبرز المشاريع الصغيرة باختلاف إنواعها واشكالها ، وفي ظل غياب المشروع القومي من الطبيعي أن تتشتت القوى وتهدر الطاقات وتستنزف الثروات على مشاريع صغيرة هنا وهناك ، فالمشروع القومي الكبير يوحد القوى ويجمع الشتات ويستثمر الطاقات والقدرات نحو الاهداف والغايات المشتركة ، وما يحدث اليوم في العالم العربي من صراعات وحروب وتدخلات خارجية في الشأن العربي ، هو النتيجة الطبيعية لغياب المشروع القومي العربي الجامع ، ولظهور وبروز المشاريع الصغيرة المتصارعة والمتنافسة ، والمشروع القومي العربي يجب أن يراعي خصوصيات وعادات وتقاليد كل الشعوب العربية ، وأن يترك لكل شعب حرية اختيار نظامه السياسي تحت مظلة نظام شامل كونفدرالي تتوحد مجالاته في العلاقات والمواقف الخارجية والدفاع المشترك والسوق الاقتصادية المشتركة ..!!


وإذا كانت القوى الدولية الاستعمارية هي التي تحارب المشاريع القومية حول العالم ، فهناك بالاضافة للمشاريع الدولية الاستعمارية مشاريع اقليمية توسعية تعمل جميعها على محاربة القومية العربية والقضاء عليها ، وفوق هذا وذاك هناك قوى داخلية موالية لتلك القوى وهي ( جماعات الاسلام السياسي ) ، التي تحارب المشروع القومي العربي بكل شراسة ، وكم هو مؤسف إن نشاهد عناصر هذه الجماعات وهم يسخرون من الهوية والقومية العربية ويمجدون هويات وقوميات أخرى ، وحجتهم في ذلك هي أن القومية العربية تتعارض مع عالمية الدين الإسلامي العابرة للحدود والقوميات ، ناسين أو متناسين ما قدمته القومية العربية في سبيل نشر الاسلام من تضحيات جسيمة وعظيمة ، وبذرائع وحجج واهية يتم حرمان العرب من هويتهم وقوميتهم ووجودهم وكيانهم ، وجعلهم مجرد تابع لقوميات أخرى تتحكم بهم وتسيطر وتهيمن عليهم ، وذلك رغم ان الاسلام قد حفظ لكل شعب وحتى كل قبيلة هويتها فكيف الحال بهوية أمة بحجم الأمة العربية ، قال تعالى (( يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا )) ، كما أنه لا يوجد أي تعارض بين القومية والدين ، فمن حق كل أمة أن تفتخر بهويتها وتراثها وعاداتها وتقاليدها ولغتها وثقافتها التي تميزها عن غيرها من الأمم تحت مظلة الدين الاسلامي ..!!


وهو ما يؤكد بأن كل الدعوات والمسميات ليست إلا وسائل يتم استغلالها واستخدامها لجعل العرب أمة بلا هوية وبلا مشروع خدمة لمشاريع قومية إقليمية أخرى ، تعمل على جعل العرب مجرد أتباع بدورون في فلكها ويعملون في خدمتها ، ولن تقوم للعرب قاثمة ما لم يلتفوا حول هويتهم وقوميتهم العربية ، ففي ظل حكم الاحزاب القومية العربية لبعض الاقطار العربيه عاش العرب مرحلة تاريخية حافلة بالعطاء والإنجاز والتلاحم والتقارب والنهضة والبناء والتقدم والأمن والاستقرار والقوة ، ولكن بعد أن تآمرت القوى الدولية والمشاريع الاقليمية التوسعية والمشاريع الداخلية الصغيرة المذهبية والطاثفية ( جماعات الاسلام السياسي ) على المشروع القومي العربي في بعض الاقطار العربية ، دخلت في مرحلة من الفوضى والعنف والصراع والانقسام والتراجع ، وبرزت وتعالت أصوات المشاريع الداخلية الصغيرة المذهبية والطائفية والمناطقية ، لتشعل وتؤجج نار الفتنة بين أبناء الشعوب العربية ، ولن ننسى تصريح رئيس وزراء اسرائيل عندما قال ( كما انتصرنا على القومية العربية سوف ننتصر على القومية الفارسية ) ، القومية العربية التي تعرضت للطعن من الخلف من جماعات الاسلام السياسي الموالية لمشاريع اقليمية توسعية واستعمارية ، والتي استخدمتها اسرائيل كأداة لهزيمة المشروع القومي العربي ( جماعة الاخوان انموذجا ) ، ولن يعود السلام والأمن والاستقرار إلى ربوع البلاد العربية إلا بعودة المشروع القومي العربي وظهور أحزاب قومية ذات توجه قومي عربي توحد الصفوف وتلملم الجراح ، وتتجاوز الخلافات والصراعات المذهبية والطائفية والمناطقية ، التي تعيث فسادا وتخريبا وتدميرا في الديار العربية ..!!