آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-02:35ص

عبدالرحمن الشاعر… سيرة اسمٍ اختار أن يكون فعلًا

الأحد - 26 أبريل 2026 - الساعة 02:52 م
عوض عميران

يقول الإمام ابن القيم إن الأسماء تدل على بعض أوصاف مسمياتها، وكأن اسم "الشاعر" لم يكن مجرد تعريف عابر، بل اختزالًا لروحٍ كانت تجيد قافية المشاعر قبل أن تجيد قافية الكلمات.

لم يكن عبدالرحمن الشاعر شخصية عادية في تفاصيلها؛ كان تواضعًا واثقًا لا يضجّ بنفسه، وعزمًا حاسمًا لا ينفصل عن الرحمة، وحكمة تُقال ببساطة دون ادعاء. وفي حضوره، كان اللطف والأدب والدماثة ملامح ثابتة، تعلوها ابتسامة هادئة تمنح من حوله شعورًا بالألفة.

غير أن ما يرسّخ صورة الإنسان، ليست صفاته المجردة، بل مواقفه. ومن بين المواقف التي تختصر معناه، ذلك الحدث الذي لا يغيب عن الذاكرة؛ حين اتصل به أحد الأصدقاء وهو في طريقه إلى تعز، فما كان منه إلا أن أعاد أدراجه عائدًا إلى عدن، فقط ليقدّم اعتذارًا لطفل، بسبب سوء فهم عابر من أحد المعلمين. لم يكن الأمر إجراءً عاديًا، بل تعبيرًا نادرًا عن حسّ أخلاقي عالٍ يرى في الاعتذار مسؤولية، لا انتقاصًا.

في زمنٍ تتراجع فيه القيم لصالح الضجيج، كان عبدالرحمن الشاعر أقرب إلى مشروع إنساني منه إلى مجرد فرد. لم يكن حضوره منفصلًا عن محيطه، بل منخرطًا في همٍّ أكبر، يتصل بما آلت إليه أوضاع التعليم، في مدينةٍ كانت يومًا منارةً للمعرفة في المنطقة.

عدن، التي عرفت مبكرًا طريقها إلى التعليم الحديث، منذ افتتاح مدرسة السعادة عام 1910 كأول مدرسة حكومية، لم تكن بالنسبة له مجرد مكان، بل ذاكرة ومسؤولية. ومن هذا المعنى، يمكن فهم حضوره بوصفه جزءًا من محاولة صامتة لاستعادة شيء من ذلك الدور الذي بدأ يتآكل مع الزمن.

لم يكن استهدافه — كما يبدو — معزولًا عن هذا السياق؛ فالأفكار التي تحمل نزعة تنويرية، غالبًا ما تصطدم ببيئات مضطربة لا تتسع لها. وهنا، لا يصبح الغياب مجرد خسارة شخصية، بل فقدانًا لصوتٍ كان يمكن أن يسهم في ترميم ما تصدّع.

سلام على عبدالرحمن الشاعر، الذي لم يكن اسمه مجرد علامة، بل تجربة إنسانية ستظل حاضرة في ذاكرة من عرفه، وفي سياق مدينةٍ تحتاج إلى أمثاله أكثر من أي وقت مضى.