في مشهدٍ يختزل مأساة وطن، وتجاعيد فسادٍ نخرت عظم المؤسسات، تبرز قصة "المتسول والسائح" كمرآة عاكسة لواقعٍ مرير يعيشه اليمن.
هي ليست مجرد حكاية عابرة أمام المتحف الوطني بصنعاء، بل هي "مانشيت" عريض يلخص كيف تتبخر أحلام الفقراء ومساعدات المانحين في دهاليز البيروقراطية والفساد الممنهج.
*كلمة لم يفهمها السائح.. وفهمها "الهبّاشون" جيداً*
بدأت الحكاية بكلمة "لله"، نطق بها متسول يمني بائس أمام سائح أجنبي.
لم يفهم السائح اللغة، لكنه التقط "صورة" للمتسول. وحين عاد إلى بلاده وعرف معنى الكلمة من صديق عربي، تحركت إنسانيته -وهو الثري- فقرر إرسال *2000 دولار* لذلك الرجل، معززة بالصورة والموقع (Location) لضمان وصولها.
لكن، ما إن دخلت هذه المعونة "المنطقة الخضراء" للمسؤولين اليمنيين، حتى بدأت عملية "النحت" والتقليص التي لا ترحم:
حين سلم المبلغ للسفير لارسالها للمتسول راى السفير ان
2000 $ كثيرة على متسول فأخذ النصف (1000 دولار) وارسل النصف الى *المحافظ* الذي أخذ من الـ 1000$ 500 دولار وأرسل "ألـ 500 دولار وقال في نفسه هذه تكفي لمتسول وزيادة" وحين وصل
المبلغ الى *مدير المنطقة* 500 أخذ 250 دولار وأرسل 250 دولار وقال : هذا "مبلغ ضخم على شحات"
وصلت الـ 250 $ الى *مدير المركز* فأخذ 200 دولار وأعطى العسكري 50 دولاراً" وقال خمسين دولار تمشي المتسول شهراً ..
وصل الجندي إلى المتسول حاملاً الـ 50 دولاراً المتبقية من الـ 2000 دولار.
وسأله: *هل تذكر السائح الذي قلت له لله؟!*
أجاب المتسول بلهفة: *"نعم"*. وهنا كانت الصدمة؛ لم يعطه الجندي حتى الفتات المتبقي بل قال له ببرود: *"يقول لك السائح.. الله كريم!"*
هذه القصة، رغم بساطتها السردية، تضع الإصبع على الجرح النازف: *لماذا تتبدد المساعدات الدولية؟*
إنها سياسة "الحصص" التي يمارسها المسؤولون، حيث تتحول المنح والمشاريع والخدمات إلى "كعكة" يتقاسمها أصحاب الكراسي بحسب رتبهم ومواقعهم، ولا يصل للمواطن المطحون سوى "الدعاء" بالصبر والرزق من السماء.
*السؤال الأهم الذي يطرحه الواقع:*
إلى متى ستظل الدول تتدفق بالمعونات على بلدٍ يمتلك من الثروات والموارد ما يفوق مانحيه، لكنه يعاني من "ثقب أسود" في النزاهة يبتلع كل شيء؟
إن مشكلة اليمن ليست في "قلة المال"، بل في "كثرة الأيدي" التي تمتد لتسرق لقمة الجائع قبل أن تصل إلى فمه، ليظل المسؤول متخماً، ويظل المواطن ينتظر كلمة"الله كريم" التي يرددها اللصوص بوقاحة.