آخر تحديث :السبت-25 أبريل 2026-02:39م

الثورات كآلية لإعادة إنتاج النظم: من الانفجار الشعبي إلى إعادة تشكيل مراكز النفوذ

الجمعة - 24 أبريل 2026 - الساعة 08:40 م
د. جمال الهاشمي

بقلم: د. جمال الهاشمي
- ارشيف الكاتب


إن الثورات الشعبية كثورات الربيع العربي ليست قطيعة كاملة مع النظم القائمة بقدر ما هي و في كثير من الأحيان عملية تشريح جبري لإعادة إنتاج جديد نابعة من داخل النظم نفسها.

وهنا مجد أنه عندما يصل النظام السياسي إلى مرحلة يشعر فيها القائمون عليه بأن أساليب إدارته لم تعد تضمن بقاء مصالحهم وتستنفذ أوراقهم التي تجددت من خلال الديمقراطية وخلق الأحزاب لإعادة تجديد شرعيتهم من جهة ومواجهة منافسين جدد من ناحية كما حدث ذلك في التنافس بين الحزبين الحاكمين بعد الوحدة اليمنية وبالمثل كان إنتاج الأحزاب السلفية كورقة أخيرة لمواجهة الإخوان في مصر وفي اليمن تعددت إنتاج الأحزاب بصبغتي أحزاب السنة والحوثيين لمواجهة حزب الإصلاح الحزب الحليف السابق للمؤتمر في مواجهة الاشتراكي وأحد مراكز النفوذ في السلطة حيث كانت هذه هي الورقة الأخيرة في اليمن والتي كانت من أهم أسبابها توريث الحكم

وتهميش مصالح النفوذ القدامى داخل السلطة نظرا لأن السلطات غالبا ما تشكل تحالفا عاما في بداية النشأة وعندما تتسع حجم العائلة الحاكمة بأعداد جديدة تبدأ مرحلة التوظيف والإحلال والإخلال بتوازن النفوذ في السلطة وهو ما يعني أن يستبعد الحلفاء القدامى من خلال آلية خلق مؤسسات ولائية عائلية وتفكيك المؤسسات أو تدميرها بصراعات عبثية عبر استحداث عدو مشترك للنظام ويأتي دور النظام في خلق هذا العدو الوهمي الذي قد يتحول إلى عدو حقيقي وهذا في حال بلغ الخلاف بين مصالح النفوذ ذروته .

وبذلك يبدأ التآكل الداخلي قبل أن يظهر الانفجار في صورته الشعبية عبر توسع علاقات مراكز النفوذ داخل النظام مع مكونات المجتمع بصوره المحلية.

وهنا لا تكون الثورة بفعل خارجي كما يروج لها البعض داخل النظام بقدر ما هو نعكاس لصراع داخلي بلغ حدا لم يعد من الممكن احتواؤه.

وفي هذا التوقيت الحرج يصبح النظام ساحة مطلقة لتنافس النفوذ بين مراكزه المختلفة.

ويبدأ في التشكل حيث تتعدد مراكز القوة بين عائلة الحاكم وعوائل مراكز النفوذ ومن ثم تتضارب المصالح وتختل القدرة في إدارة التوازن بينها وهي المرحلة الأولى لتحويل الأزمة من الكمون إلى الانفجار .

ومع تصاعد هذا التنافس لن يعد الصراع محصورا في أروقة السلطة وإنما يمتد أثره إلى المجتمع مهددا استقراره ومصالحه الأساسية. ويصبح الفساد في هذه المرحلة أداة من أدوات الصراع وليس انحراف عرضي يمكن القضاء عليه ولكنه يمارس بأقصى صوره من عبر إعادة توزيع الموارد وتغيير الولاءات وإعادة تشكيل المؤسسات وخصوصا العسكرية منها بما يخدم مراكز النفوذ المتصارعة.

وقد يصل الأمر إلى استحداث مؤسسات موازية أو تفكيك أخرى قائمة في محاولة لإعادة هندسة ميزان القوة داخل النظام.

ومع تفاقم الصراع يبلغ أصحاب النفوذ ما يمكن وصفه بمرحلة اللاعودة، حيث تصبح التسويات الجزئية غير كافية ويغدو الصدام الشامل أقرب من أي خيار آخر.

وقد تتشكل في هذه المرحلة تحالفات داخل النظام نفسه وتتوسع نحو المجتمع لاضفاء شرعية الدفاع عن المجتمع والنظام والدولة والعدالة بينما يتركز هدفها الرئيس لمواجهة أكثر الأطراف استغلالا له أو تهديدا لبقائه، وفي المقابل يسعى الحاكم لخلق مراكز نفوذ تابعة وليس موازية أو مساويه له ومن ثم ينقسم المجتمع بين نفوذ الحاكم وعائلته وبين المكونات الأخرى التي تتحول من السلطة إلى المعارضة وتحتمي بالشعب الذي يدفع الأثمان الباهضة في عملية التغيير، حيث يكون ضحية الإعلام وتوظيف الدين والفقر والجهل.

غير أن هذه التحالفات لا تبقى محصورة في الداخل وإنما تمتد إلى المجتمع عبر استقطاب مكوناته المنظمة من أحزاب وقبائل ومجتمعات دينية مغلقة وإلى الخارج عبر نسج علاقات دولية تدعم هذا الطرف أو ذاك بناء على معلومات خفية يسعى كل مكون لاثباتها ضد التطرف الآخر وهو ما يؤدي إلى فهم النظام مما يسهل التلاعب به واستغلاله يصبح من الأطراف المستغلة بالفتح بعد أن كان من المكونات المستغلة بكسر الغين .

وكما تدين تدان فكما أسرفت في الدماء والحيل من غير مصلحة معتبرة للدولة والأمن والمجتمع كان لا بد من أن تذوق جزءا من حيلك وربما كلها ولنا في تساقط الأنظمة واستئصال جذورها معتبر في التاريخ القديم والمعاصر .

وهنا تبدأ ملامح إعادة تشكيل النظام على أساس جديد غالبا ما يكون قائما على المصالح الضيقة، ويقود في كثير من الأحيان إلى عسكرة المجتمع وتسييس مؤسساته.

وإذا لم تفضِ هذه المرحلة إلى مصالحة داخلية تعيد ترتيب موازين القوة بشكل مستقر فإن الفوضى تصبح البديل.

والفوضى رغم ما تحمله من دمار واضطراب ليست شرا مطلقا في سياق التحولات الكبرى؛ فهي تكشف هشاشة البنى القديمة وتسقط كثيرا من الأقنعة التي كانت تحجب طبيعة الصراع الحقيقي داخل النظام.

و إن استمرارها قد يفتح المجال لتصفية مراكز النفوذ المتضخمة سواء عبر الصراع المباشر أو الانقلابات أو حتى الإقصاء من داخل المنظومة نفسها في عملية تجديد ذاتي وهذا لن يكون إلا في حالة أن يجد أعضاء المكون حالة من استئثار رأس النفوذ وتميزه عنهم أو رغبة في الذات والاستبداد الذي ورثه عن بيئته.

غير أن نتائج الفوضى ليست واحدة، فإذا طالت القيادات العليا ومراكز القرار فقد تفسح المجال لإعادة بناء النظام على أسس جديدة وربما أكثر توازنا.

أما إذا اقتصرت على تصفية القيادات الميدانية أو الواجهات التنفيذية دون المساس برأس المنظومة فإن ذلك يؤدي غالبا إلى إطالة أمد الصراع وبقاء مراكز النفوذ، إذ تبقى جذوره قائمة دون معالجة.

وفي هذه الحالة يتأرجح المسار بين احتمالين:

إما إعادة إنتاج النظام نفسه عبر مصالحة داخلية تعيد توزيع النفوذ دون تغييره جذريا أو انهيار القيادات وهروبها مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الفوضى بحيث تتسم بالصراع على السلطة بين قوى تفتقر إلى الخبرة السياسية الكافية لإدارة الدولة.

وفي خضم هذا الاضطراب تتكاثر محاولات السيطرة قصيرة الأمد من خلال الأحزاب المتحالفة ويحتدم صراع المصالح الدنيا بينها وبعضها إلى أن تبرز إن كتب للمجتمع ذلك— نواة عقل جامع قادر على تجاوز منطق الغلبة إلى منطق التأسيس.

عندها فقط يمكن أن تتشكل ملامح نظام جديد لا يقوم على إعادة تدوير الأزمات وإنما على استيعاب دروسها وعبرها وتأسيس شرعيته على مقاصد وطنية وإنسانية أوسع من مجرد توازنات القوة.

ويمكن إسقاط الفكرة على الحالة اليمنية بوصفها نموذجا أكثر تعقيدا وامتدادا زمنيا كون الثورة تتداخل مع البنية الداخلية للنظام بشكل أوضح.

وقد جاءت ثورة 11 فبراير 2011 في اليمن في سياق نظام كان قد بلغ مرحلة متقدمة من صراع النفوذ الداخلي خلال حكم علي عبد الله صالح.

ولم يكن النظام متماسكا كما يبدو بل كان قائما على شبكة معقدة من التوازنات بين القبيلة والجيش والنخب السياسية ومراكز القوى الاقتصادية والنخب الأكاديمية داخل مؤسسات التعليم الحكومي والأهلي والديني.

ومع اقتراب لحظة الانفجار بدأ هذا التوازن يتفكك من الداخل و ظهرت انقسامات حادة بدأن بخروج الإصلاح من الحكم وخصوصا بعد رحيل الشيخ عبد الله الأحمر أحد مراكز النفوذ داخل النظام الجمهوري ثم تطورت داخل المؤسسة العسكرية نفسها والتي بدأت بانشقاق علي محسن الأحمر الذي دخل في مصيدة معارك صعدة دفاعا عن النظام مما سمح له في تطوير علاقاته مع المملكة العربية السعودية .

وهو ما يعكس بوضوح انتقال الصراع من كونه صراعا داخل النظام إلى صراع مفتوح على محليا وإقليميا دوليا وهنا تحولت شخصية الرئيس صالح من شخصية تحارب الإرهاب في صعدة والقاعدة في أبين إلى شخصية داعمة لهما لكن هدفه من ذلك الحصول على الدعم العسكري واكتساب الشرعية الدولية لمواجهة اهتزاز الشرعية في الداخل.

وهنا تجسدت الفكرة التي طرحها صدر المقال وهو حينما يشعر جزء من النظام أن استمراره في القيادة يهدد مصالحه يتحول إلى فاعل في عملية التغيير وليس ليدافع عن الوضع القائم فحسب.

ومع تصاعد الاحتجاجات دخل النظام مرحلة اللاعودة و لم يعد ممكنا الحفاظ على بنيته القديمة. وقد جاءت المبادرة الخليجية كآلية لإعادة ترتيب النظام من داخله وليس لإسقاطه بالكامل.

فتم نقل السلطة إلى عبد ربه منصور هادي مع الإبقاء على كثير من مراكز النفوذووهو ما يعكس نموذج إعادة إنتاج النظام بدلا من تفكيكه جذريا.

غير أن هذه العملية لم تحسم الصراع بل أعادت توزيعه وبدلا من أن تختفي مراكز القوة كما حدث مع الثورة ضد الملكية ومن ثم دخلت في مرحلة تنافس أكثر حدة شملت إعادة تشكيل التحالفات وتفكك المؤسسة العسكرية إلى ولاءات متعددة وصعود قوى جديدة أبرزها أنصار الله.

وهنا يتضح كيف أن الفشل في تصفية مراكز النفوذ أو إعادة دمجها ضمن نظام مستقر يؤدي إلى انتقال المجتمع نحو الفوضى.

وقد بلغت هذه الفوضى ذروتها مع الحرب الأهلية اليمنية فلم يعد الصراع داخليا فقط وإنما تشابك مع تدخلات إقليمية ودولية وأصبح النظام ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل المصالح.

وفي هذه المرحلة تحققت إحدى أهم النقاط التي وردت أعلاه في ديباجة هذا المقال وهو توزع مكونات الصراع بين الداخل والخارج وعسكرة المجتمع وتفكك الدولة إلى مراكز قوى متنازعة.

وهو ما أدى إلى هيمنة الفوضى الممتدة؛ وهي فوضوية الحفاظ على الوضع السائد بين مكونات النظام السابق وحلفاء جدد كل مكون يحكم جغرافية غير مستقرة وكل مكون ينتظر ضعف الآخر في سلسلة معقدة من حلقات التربص المزمنة التي أوجدت في المجتمع مرحلة التيه وهي حالة زمنية تمتد ما بين عقدين إلى أربعة عقود ؛ عقدين في حالة التصفيات وأربعة عقود في حالة الموت الطبيعي ما لم يغيرها التغيير في الوعي الشعبي أولا وهو البيئة الاجتماعية الكبرى التي تحتضن المكونات .

ومن منظور التحليل الذي طرحته يمكن قراءتها على مستويين: فمن جهة هي نتيجة لعدم الحسم في تفكيك بنية النفوذ القديمة حيث بقيت القيادات الكبرى فاعلة بشكل أو بآخر.

وهي من جهة أخرى عملية فرز مستمرة قد تؤدي على المدى الطويل إلى إعادة تشكيل النظام.

لكن المسار اليمني يكشف أيضا الوجه الأكثر خطورة مما ورد في نظرية هذا المقال:

إذا لم تؤد الفوضى إلى تصفية مراكز النفوذ الكبرى أو إنتاج قيادة جامعة فإنها تتحول إلى استنزاف طويل للمجتمع والدولة معا وهي مرحلة التيه وهو ما نراه في استمرار الصراع وتعدد السلطات وغياب مركز سياسي قادر على فرض تسوية شاملة.

ومع ذلك يبقى الاحتمالان اللذان أُشير إليهما قائمين:

إما أن تنتهي هذه الفوضى إلى مصالحة داخلية تعيد إنتاج النظام بصيغة جديدة أو إلى انهيار شامل لمراكز النفوذ يفتح الباب أمام إعادة تأسيس الدولة من جديد. وفي كلتا الحالتينزفإن ما جرى في اليمن يؤكد الفكرة المركزية للمقال: أن الثورات حتى عندما تبدو وكأنها تسقط الأنظمة غالبا ما تكون في حقيقتها جزءا من عملية إعادة تشكيلات عميقة تنطلق من داخل هذه الأنظمة نفسها وتتحدد نتائجها بمدى حسم الصراع بين مراكز النفوذ فيها أو بثورات مجتمعية تتسع فيها مراكز النفوذ من خارج النفوذ القائم وهي في الغالب مراكز نفوذ جهوية وتكتلات جغرافية كنفوذ المهرة وحضرموت وتهامة وجغرافية الأزمات من عدن أبين إلى الضالع وكذلك تكتل صنعاء في مقابل صعدة وتكتل ذمار وإب ولحج وجغرافية مارب والجوف وشبوة.

وفي حال تشكلت هذه الجهويات فإنها ستعيد هذا الفوضى خلق نظام متوازن يعتمد على تغليب المصلحة العامة ولكن بعد زوال مراكز النفوذ القائمة وهي مرحلة ما بعد الفوضى ونهاية لها .

أما المخرج السريع لهذه الأزمة فهو في تأسيس مصالحة تعيد تغليب المصلحة العامة على الخاصة وهذا صعب ولكنه ليس مستحيلا أو أن تظهر قوة وقيادة فاعلة تعيد فرض النظام بالقوة وتتمكن من اخضاع المكونات بأدواتها الناعمة والصلبة .

ولكن يتوقف أمد الفوضى على وعيين:

وعي النخبة والقيادة .

وعي المجتمعات والشعب .