آخر تحديث :الجمعة-24 أبريل 2026-04:15ص

عمر بن عبد العزيز.. أحيا العدل في روح الأمة.

الخميس - 23 أبريل 2026 - الساعة 09:44 م
حسين سالم السليماني

بقلم: حسين سالم السليماني
- ارشيف الكاتب


لم يكن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز مجرد حاكم مرّ عابراً في سجلات التاريخ، بل كان "ضمير الدولة" الحي، والنفحة التي أعادت للأمة روح النبوة ونقاء الخلافة الراشدة في زمن تلاطمت فيه أمواج المادة. لم تكن خلافته -التي لم تتجاوز العامين وبضعة أشهر- مجرد حقبة زمنية محدودة، بل كانت "ثورة على الفساد"، أعادت صياغة العلاقة بين الراعي والرعية على ركائز الحق والمساواة، مبرهنة للعالم أجمع أن العدل هو القوة الروحية والمادية التي لا تُقهر.

ارتقى عمر سدة الحكم وفي عاتقه إرث ثقيل من التجاوزات، فما استكان ولا هادن، بل بدأ بالإصلاح في نفسه وأهله قبل عامة الناس. لم يَرَ في السلطة امتيازاً، بل رآها "أمانة ومغرماً"، وكان يؤمن إيماناً يقينياً بأن "الحاكم أول من يطيع، وآخر من يستمتع".

وفي مشهد مهيب خلّده التاريخ، وقف "الخليفة الزاهد" أمام الجماهير معلناً رد المظالم، فانتزع الأراضي والأموال التي استُخلصت بغير حق من خاصته وأقاربه؛ ليعيدها إلى "بيت مال المسلمين". لم يكن عدله مجرد شعارات جوفاء، بل كان ممارسة صارمة تجلت حين اختصم مواطن بسيط مع أحد أمراء بني أمية؛ فلم يلتفت عمر إلى سطوة النسب أو بريق المكانة، بل أنصف الضعيف، مرسخاً قاعدته الذهبية: "إن العدل لا يعرف قرابة، والحق لا يحابي وجاهة".

أدرك عمر بن عبد العزيز أن تصدع الدول يبدأ من استباحة المال العام، فحوّل بيت المال من "خزانة للسلطان" إلى "أمانة للأمة". وتجلت عفته في قصة "السراجين" الشهيرة؛ إذ كان يطفئ سراج بيت المال إذا انصرف إلى شؤونه الخاصة وأشعل سراجه الخاص، إدراكاً منه أن ذرة من مال المسلمين تُنفق في غير وجهها هي خيانة لله وللرعية.

وبهذه الطهارة المالية، استُنزلت البركات في اقتصاد الدولة، حتى طاف عمال الزكاة بالمال في أصقاع الأرض فلا يجدون محتاجاً يقبله؛ فقد أغنى العدل الناس، وأشبعت المساواة الأرواح قبل البطون، لتتحقق في عهده معجزة الاكتفاء والرضا.

رفع عمر شعار "أصلحوا أنفسكم، يصلح لكم الناس"، فكانت كلماته سيفاً مصلتاً على رقاب الظلمة. عزل الولاة الجائرين مهما بلغت مكانتهم الاجتماعية أو غير ذلك، مؤكداً أن "الوالي الظالم عار على جبين الدولة". وحين حاول بعض عماله التضييق على الداخلين في الإسلام بفرض الجزية، زجرهم بكلمته الخالدة التي لا تزال تدوي في أروقة الزمان: إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً.

لقد حارب الظلم بالكلمة النافذة، والقانون العادل، والقدوة الشخصية؛ فاستحال المجتمع من حالة الوجل والترقب إلى رحاب الأمن واليقين. في عهده، تلاشت سطوة السلطة أمام هيبة الحق، وأصبح الحاكم هو من يرتعد فرقاً من أن تُظلم شاة في قاصية الفيافي.

رحل عمر بن عبد العزيز تاركاً وراءه منهجاً خالداً يقول: إن هيبة الدولة لا تُشيّد بظلم العباد، أو تكديس الأموال، أو تكميم الأفواه عن قول الحق أمام السلطان، بل تُبنى بـ "سد حاجة المعوز، وإنصاف المظلوم، والترفع عن حطام الدنيا".

سيظل عمر بن عبد العزيز في ذاكرة التاريخ "منارة العدل" التي تضيء للحكام سبل الرشاد، والنموذج الحي الذي أثبت أن السياسة يمكن أن تكون طهارة، وأن الحكم يمكن أن يكون زهداً، وأن العدل -ولا شيء سواه- هو "أساس الملك" وضمان بقائه في وجدان الأمم.