في هذا المشهد المألوف، لا يحتاج المرء إلى كثير فطنة ليدرك أن الحقيقة لم تعد ضيفًا مرحّبًا به، بل زائرًا ثقيلًا يُستقبل على عجلٍ ثم يُصرف بأدب.
هنا : يُقال الصدق بصوتٍ منخفض كأنه اعتذار، بينما تُرفع الأكفّ بالتصفيق لكل ما يلمع وإن كان من زجاجٍ ملوّن !!!
الأمر هنا ليس جهلًا بالحقيقة....
بل معرفةٌ مؤجلة التنفيذ.
الجميع يعلم، لكن القليل يجرؤ على القول، والأقلّ على الفعل.
وبين العلم والقول مسافةٌ اسمها الخوف، تُقطع بخطواتٍ محسوبة، أو لا تُقطع أصلًا.
وهكذا تتشكّل معادلة عجيبة: كلّما ازداد اليقين في الداخل، ازداد الصمت في الخارج.
أما الوعود الكاذبة، فلها في هذا المناخ جمهورٌ وفيّ......
لا لأنها تُقنع، بل لأنها تُريح.
فهي تمنح الأمل بالتقسيط، وتؤجّل خيبة الواقع إلى موعدٍ لاحق، قد يأتي وقد لا يأتي.
ولأن الإنسان ميّال إلى تصديق ما يُخفّف عنه، تصبح الأكاذيب المصقولة أشبه بعقودٍ معنوية، تُوقَّع بابتسامة، وتُفسخ بصمت.
وفي ظلّ هذا الانسجام الظاهري....
تُدار الحياة كأنها عرضٌ مُحكم: نصٌّ يُعاد تدويره، وتصفيقٌ يُجدَّد بإخلاص، وأسئلةٌ تُؤجَّل إلى حينٍ غير مُسمّى.
لا أحد يخطئ الدور، لأن الخطأ هنا ليس في القول، بل في توقيته.
المهم أن تُقال الأشياء كما ينبغي، لا كما هي....
غير أن السخرية—وهي أصدق مرآة—تكشف أن هذا الاتزان المزعوم يقوم على خللٍ عميق.
فالحقّ وإن هُمِس به، لا يفقد معناه، والباطل، وإن صُفِّق له، لا يكتسب شرعية.
وما بينهما.... تتراكم طبقاتٌ من الصمت، حتى يغدو الكلام نفسه فعلًا استثنائيًا...
عندها فقط، يمكن إتمام العبارة:
فاعلم أن الاستبداد لم يعد بحاجةٍ إلى صخبٍ ليحكم، فقد تعلّم كيف يجعل الصمت نظامًا، والتصفيق عادة، والوهمَ يقينًا مؤقتًا.
لكنّه—على الرغم من ذلك—لا يملك أن يجعل الحقيقة تموت.
فغايتها أن تنتظر اللحظة التي تُقال فيها بلا همس.
# صرخة وعي ،،