عقب مغادرة الأستاذ علي محمد لقمان مدينة عدن —وهو مدير صحيفة "فتاة الجزيرة"، أول صحيفة مستقلة هناك— ونزوحه إلى تعز مطلع السبعينيات، استقر به المقام في إحدى ضواحي مدينة تعز من الجهة الشمالية، وتحديداً في حي "عصيفرة" الشهير. جاء ذلك بعد فقدانه لأملاكه ومصادرة صحيفته إثر الأحداث السياسية في جنوب الوطن آنذاك، وتطبيق "قانون التأميم" الذي تسبب في إشكالات عديدة، أدت إلى نفور رأس المال وتداخل الأعمال الانتقامية والاستحواذية من قبل البعض، رغم ما كان يحمله القانون من نوايا إيجابية للبلاد.
يُعد الأستاذ علي محمد لقمان (المولود في عدن عام 1918م) أحد المناضلين الأوائل لنيل الحقوق المشروعة لأبناء عدن إبان الاستعمار، وأحد رواد الصحافة؛ فبعد إتمام دراسته الثانوية في الهند، حصل لاحقاً على درجة الليسانس في الآداب (قسم الصحافة) عام 1940م. كما يُعتبر من رواد الشعر الغنائي والأدب المسرحي، وله أعمال أدبية وشعرية واسعة، فضلاً عن كونه سياسياً بارزاً في "الجمعية العدنية". وهو نجل رائد النهضة الشهير الراحل المحامي محمد علي لقمان، صاحب "دار فتاة الجزيرة للصحافة والنشر".
وترتبط الأسرة (بيت لقمان) بصلة قرابة ومصاهرة مع أسرة الراحل الدكتور محمد عبده غانم، رائد التنوير والثقافة والعلوم. كما أنشأ علي محمد لقمان فيما بعد صحيفة "القلم العدني" الأسبوعية ثم صحيفة "الأخبار" اليومية. وتزوّج من ابنة الفقيد السيد محمد عمر جرجرة (الشيبة).
وفي عصيفرة، المشهورة بواديها الشاسع، لم يبتعد علي محمد لقمان عن قلمه وأفكاره، فتواصل مع بعض صحف شمال الوطن، وكان لأسباب عدة يذيل أشعاره وكتاباته تحت اسم مستعار هو "نزيل عصيفرة".
ولم يمضِ وقت طويل حتى تنبهت الجهات المعنية ورئاسة الجمهورية (في شمال الوطن حينها) للأمر، فتم التواصل مع الراحل لتطمينه بأنه بين أهله وناسه، ومنحه الحرية المطلقة في الكتابة باسمه الصريح؛ تقديراً لمكانته وظروف إقامته.
ومن روائعه الشعرية التي ترنم بها شوقاً لمدينته عدن التي غادرها ولم يعد إليها:
حَتَّى مَتَى أَنْتَ فِي شَوْقٍ وَفِي حَزَنِ
يَا سَاهِرَ اللَّيْلِ فِي بُعْدٍ عَنِ الوَطَنِ
لَا تَعْذُلِ اللَّيْلَ إِنْ طَالَتْ دَقَائِقُهُ
فَاللَّيْلُ صَاحِبُ مُشْتَاقٍ وَذِي شَجَنِ
وهكذا مرت السنوات، وكان لـ "عصيفرة" نصيبها من دواوين الراحل، الذي بدأ يداهمه المرض ويشتد عليه، فسافر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة لفترة قصيرة بضيافة صهره الدكتور شهاب غانم، ثم انتقل بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع أحد أولاده. وهناك، أُشيع خبر وفاته، فما كان من الراحل إلا أن قال رداً على ذلك:
"يقولون إني متُّ من وجع الظهر.. وما علموا أني أموتُ من القهر"
كانت تلك آخر كلماته القوية قبل رحيله؛ حيث وافاه الأجل في الولايات المتحدة عام 1979م. وسارعت السلطات الرسمية ورئاسة الدولة في شمال الوطن حينها بتقديم التعازي الحارة في هذا المصاب الجلل، كما تم التواصل مع ولده لنقل الجثمان إلى اليمن، حيث ووري الثرى —رحمه الله— في مقبرة "خزيمة" بصنعاء