ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ليس حوارًا حقيقيًا بقدر ما هو إعادة عرض لمشهد قديم يتكرر كل مرة: جولات تفاوض طويلة، رسائل متبادلة، ووعود فضفاضة، ثم عودة إلى نقطة الصفر.
لقد أثبت التاريخ السياسي الفارسي، قديمًا وحديثًا، أن المماطلة جزء أصيل من أدواته، وأن كسب الوقت يُعد عنده إنجازًا بحد ذاته. المفاوضات بالنسبة له ليست طريقًا للحل، بل وسيلة لإعادة التموضع، وترتيب الأوراق، وامتصاص الضغوط، ثم الانقلاب على التفاهمات متى ما سنحت الفرصة.
وليس هذا اتهامًا عاطفيًا، بل قراءة لمسار طويل من الاتفاقات المؤقتة، والتفسيرات الملتوية، واستخدام النصوص بما يخدم اللحظة لا بما يحقق الاستقرار. فمن يتابع الملف النووي، وسلوك الأذرع الإقليمية، وإدارة الأزمات البحرية، يدرك أن المشكلة ليست في غياب الاتفاق، بل في غياب الثقة بإمكانية الالتزام.
سياسة شراء الوقت
النظام في إيران يدرك أن خصومه يتبدلون، وأن الإدارات الغربية تتغير، وأن الزمن أحيانًا يحقق له ما لا تحققه الصواريخ. لذلك يراهن دائمًا على إطالة التفاوض حتى تتغير الظروف الدولية، أو تنشغل القوى الكبرى بأزمات أخرى، أو تتراجع الضغوط.
وفي كل مرة يُمنح الوقت، يستثمره في تطوير أدوات الردع، وتثبيت النفوذ، وتمويل الأذرع التابعة، وتحسين شروطه التفاوضية.
لماذا لا تنجح اللغة الناعمة؟
لأن من بنى عقيدته السياسية على اختبار حدود الآخرين، لا يقرأ المجاملات إلا ضعفًا، ولا يرى المرونة إلا فرصة للمزيد من التمدد. ولذلك فإن الرهان على الكلمات وحدها مع هذا النمط أثبت محدوديته مرارًا.
الحسم يقترب
برأيي، المنطقة تقف على أعتاب مرحلة مختلفة. استمرار العبث بالممرات البحرية، وتهديد الطاقة، وتغذية الميليشيات، ورفع سقف التحدي، كلها عوامل تجعل الصدام أقرب من أي وقت مضى. قد يتأخر، قد يُدار بحسابات دقيقة، لكنه يقترب.
وإذا وقع، فلن يكون مجرد رد عسكري عابر، بل محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في الخليج والشرق الأوسط، ووضع حدود واضحة لمن ظن أن الفوضى يمكن أن تستمر بلا ثمن.
السعودية… مدرسة البصيرة
وسط هذا الضجيج، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها الدولة الأكثر وعيًا بطبيعة المشهد؛ تعمل بهدوء، وتحصّن اقتصادها، وتنوع منافذها، وتبني قوتها، وتقرأ المتغيرات بعقل دولة لا بردة فعل لحظة.
ولهذا ستكون الأكثر استعدادًا لأي تحولات قادمة، لأنها فهمت مبكرًا أن المنطقة تدخل عصرًا لا مكان فيه للارتجال.
الخلاصة
ما يجري اليوم ليس سلامًا، بل هدنة مؤقتة فوق بركان. ومن يعرف تاريخ المماطلة الفارسية يدرك أن الأزمة لم تُحل، بل أُجلت. أما ساعة الحسم، فقد تكون أقرب مما يتصور كثيرون.