حسين علي باهميل
هذا هو السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل… ولا التجميل.
كنا نقول إن معركتنا مع المليشيا، وإن هدفنا استعادة الدولة، وإعادة الجمهورية، وبناء مؤسساتها، واسترجاع العاصمة المختطفة. كنا نرفع شعار “الدولة” في مواجهة “الانقلاب”، ونؤمن أن اليمن لن يستقيم إلا بعودة النظام الجمهوري.
لكن الواقع اليوم يقول شيئاً آخر… شيئاً صادماً.
نرى اليمن يُنزَع من الجمهورية قطعةً قطعة…
بينما المليشيا لا تتراجع، بل تتوسع.
نرى أعلام الجماعات ترتفع،
وعلم الجمهورية يُنزَل… أو يُخفى… أو يُستدعى فقط في لحظات شكلية، عند أداء “يمين” فقد معناه وقيمته.
أي جمهورية هذه التي لا يُرى علمها إلا في مراسم بروتوكولية؟
وأي دولة هذه التي لا تُحترم إلا في الخطب؟
الأخطر… أننا لم نعد أمام سلطة واحدة حتى في المناطق التي يُفترض أنها “محررة”، بل أمام سلطات متعددة.
كل محافظة أصبحت كأنها دولة،
وكل محافظ يتصرف وكأنه رئيس جمهورية.
يصدر قرارات، يتحكم في الموارد، يرسم السياسات، دون أي التزام حقيقي بمرجعية الدولة، أو خضوع لمركز، أو احترام لمن أدى أمامه اليمين.
تحوّل القسم من التزام وطني… إلى صك ملكية.
وتحوّلت المناصب من مسؤولية… إلى غنيمة.
فإذا كانت المليشيا قد انقلبت على الجمهورية بالسلاح،
فماذا نسمي ما يحدث اليوم في المناطق “المحررة”؟
أليس هذا انقلاباً من نوع آخر؟
انقلاباً ناعماً، يُفرغ الدولة من مضمونها، ويحوّلها إلى مجرد اسم بلا معنى؟
المليشيا لا تنتصر فقط عندما تسيطر على الأرض…
بل تنتصر أكثر عندما تفشل القوى التي تدّعي تمثيل الدولة في أن تكون دولة.
وعندما يرى المواطن أن لا فرق حقيقي بين مناطق “المليشيا” ومناطق “الشرعية” في غياب النظام، وانعدام المؤسسات، وتعدد مراكز القرار…
فإننا نكون قد خسرنا المعركة أخلاقياً قبل أن نخسرها سياسياً.
إنها ليست مجرد فوضى…
بل تفكيك ممنهج لفكرة الجمهورية.
وإذا استمر هذا الحال، فلن نكون أمام مشروع استعادة دولة…
بل أمام مشاريع صغيرة، متناحرة، كل منها يدّعي الشرعية، ويهدمها في نفس الوقت.
السؤال اليوم ليس موجهاً للسياسيين فقط…
بل لكل من ما زال يؤمن بهذا البلد:
هل نريد دولة حقيقية؟
أم نريد سلطات متعددة، بلا هوية، بلا مشروع، بلا مستقبل؟
إما أن نعيد الاعتبار للجمهورية كمرجعية فوق الجميع،
أو نعترف بصراحة أننا لم نعد نقاتل من أجلها… بل نستبدلها بشيء آخر.