آخر تحديث :الجمعة-17 أبريل 2026-11:56ص

رحمة قبل النظام… هل تبدأ عدن صفحة جديدة مع الفقراء؟

الجمعة - 17 أبريل 2026 - الساعة 10:49 ص
هاني السقاف

بقلم: هاني السقاف
- ارشيف الكاتب


في المدن التي أنهكتها الحروب، لا تكون القوانين وحدها كافية لصناعة العدالة، بل تحتاج إلى جرعة من الرحمة، وإرادة صادقة لفتح صفحات جديدة مع الناس الذين ضاقت بهم الحياة حتى لم يجدوا سوى العشوائية مأوى لهم. في عدن، كما في كثير من المدن، نشأت أحياء كاملة خارج إطار التخطيط، لا بدافع التعدي، بل بدافع الحاجة، حين وجد آلاف المواطنين أنفسهم بلا مساكن، بلا دخل، وبلا خيارات.


هؤلاء لم يختاروا العشوائية ترفاً، بل اضطروا إليها قسراً، فبنوا بيوتاً متواضعة فوق أراضٍ لا يملكونها، لكنها أصبحت مع مرور الوقت كل ما يملكون. سنوات من النزوح والفقر جعلت من تلك الجدران الهشة حصناً أخيراً في وجه التشرد، وأي حديث عن إزالتها دون بديل إنما هو حكم قاسٍ على حياة أناس لم يكن لهم ذنب سوى أنهم وُضعوا في ظروف قاسية.


من هنا، يطرح هذا الطرح فكرة تستحق التوقف عندها: لماذا لا نبدأ بحسن نية؟ لماذا لا تُفتح صفحة جديدة تقوم على تسوية أوضاع هؤلاء الناس، عبر منحهم عقود تمليك قانونية لمساكنهم الحالية، ومن ثم يُغلق هذا الملف بشكل نهائي، ويُمنع بعد ذلك أي بناء عشوائي أو بسط على الأراضي؟ إنها معادلة تجمع بين الواقعية والإنسانية، بين تصحيح أخطاء الماضي ومنع تكرارها في المستقبل.


هذه الخطوة، إن تحققت، لن تكون تشجيعاً للعشوائية كما قد يظن البعض، بل ستكون نهاية لها. فهي ترسم خطاً فاصلاً بين مرحلتين: مرحلة الفوضى التي فرضتها ظروف استثنائية، ومرحلة النظام التي يجب أن تُبنى على أسس واضحة وقوانين صارمة. عندها فقط يمكن للدولة أن تفرض هيبتها، لأنها سبقتها بخطوة إنسانية تعالج جذور المشكلة.


لكن هذا الطرح لا يتجاهل التعقيدات القائمة، خاصة في الحالات التي تتداخل فيها الملكيات الخاصة والنزاعات الشخصية. فمثل هذه القضايا يجب أن تُستثنى من أي تسوية جماعية، وأن تُحال إلى القضاء للفصل فيها وفق الأطر القانونية، حفاظاً على الحقوق ومنعاً لخلق مظالم جديدة تحت غطاء الحلول العامة.


وإذا كان لا بد من محاسبة، فإن بوصلة العدالة يجب أن تتجه أولاً نحو أولئك الذين استغلوا الفوضى، وبنوا ثرواتهم على حساب غياب الدولة، سواء عبر البيع غير القانوني للأراضي، أو عبر المضاربة بها من خارج البلاد. هؤلاء هم الأولى بالمحاسبة، وهم الذين ينبغي أن تُوجَّه إليهم جهود الحصر والمتابعة بعد سنوات الحرب، لا أن يُتركوا ويُسلَّط القانون فقط على الفقراء.


إن الحديث عن “عفى الله عما سلف” لا يعني إسقاط الحقوق، بل يعني إعادة ترتيب الأولويات، ووضع الإنسان في قلب المعادلة. فالدولة التي تبدأ بالضعفاء، وتمنحهم الأمان، تكون أقدر على فرض النظام لاحقاً، لأن القانون حينها لن يُنظر إليه كأداة قمع، بل كضامن للعدالة.


عدن اليوم أمام فرصة نادرة لتصحيح مسار طويل من الفوضى، ليس فقط عبر القرارات الصارمة، بل عبر المبادرات التي تمزج بين الرحمة والحزم. فحين يشعر المواطن أن الدولة أنصفته، سيكون أول المدافعين عن قوانينها، وأول الرافضين للعودة إلى العشوائية.


إنها ليست مجرد سياسة إسكان، بل اختبار حقيقي لفلسفة الحكم: هل نبدأ بالعقاب أم نبدأ بالإنصاف؟ في مثل هذه اللحظات، قد تكون الرحمة هي الطريق الأقصر إلى بناء دولة قوية وعادلة.