آخر تحديث :الثلاثاء-21 أبريل 2026-03:11م

باكستان بين الرياض وطهران

الخميس - 16 أبريل 2026 - الساعة 10:36 ص
محمد خالد الحسيني

بقلم: محمد خالد الحسيني
- ارشيف الكاتب


في لحظة إقليمية، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة، وتتداخل فيها الرسائل العلنية مع التحركات خلف الكواليس، يتشكل مشهد معقد لا يمكن اختزاله في ثنائيات تقليدية أو تحالفات جامدة.

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط وما حوله ليس مجرد تصعيد عابر، بل عملية إعادة تموضع واسعة تُعاد من خلالها صياغة موازين القوى، وفق منطق براغماتي يتجاوز الشعارات ويعيد تعريف المصالح.

في هذا السياق، جاء خطاب رجب طيب أردوغان ليحمل أبعادًا تتجاوز طابعه العاطفي الظاهر.

فحين يتحدث عن الموت بشرف مقابل حياة بلا كرامة، فهو لا يطرح مجرد خطاب تعبوي، بل يرسّخ معادلة سياسية واضحة مفادها أن السيادة الوطنية تمثل سقفًا لا يمكن التفاوض عليه.

هذه الرسالة، وإن بدت موجهة للخارج، فهي أيضًا جزء من إعادة تعريف موقع تركيا داخل التوازنات الجديدة، حيث تسعى أنقرة إلى تثبيت نفسها كقوة مستقلة قادرة على المناورة بين الشرق والغرب دون الارتهان الكامل لأي منهما.

وعلى امتداد الإقليم، تتسارع التحركات من واشنطن إلى طهران، في محاولة لإعادة ترتيب قواعد الاشتباك، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا واقتصاديًا أيضًا.

في هذا الإطار، تعود احتمالات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة، مدفوعة بتصريحات دونالد ترامب، والتي تعكس توجهًا داخل بعض الدوائر الأمريكية نحو إعادة اختبار مسار الصفقة الكبرى: دمج إيران تدريجيًا في النظام الاقتصادي العالمي مقابل قيود صارمة على برنامجها النووي وإعادة ضبط دورها الإقليمي.

لكن هذه المسارات لا تتحرك في فراغ، بل تحتاج إلى قنوات اتصال مرنة، وهنا يبرز دور باكستان كلاعب يتجاوز حجمه التقليدي.

فإسلام آباد، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتشعبة، تجد نفسها في موقع فريد يمكّنها من لعب دور الوسيط غير المعلن.

الزيارات المتبادلة بين المسؤولين، ومن بينها اللقاءات الأخيرة مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، تعكس عن محاولة جادة لفتح مسارات تواصل غير مباشرة، قد تمهد لتفاهمات أوسع تُناقش لاحقًا في ساحات أكثر حيادية، كالعواصم الأوروبية.

إلا أن قراءة دور باكستان لا تكتمل دون فهم طبيعة توازنها الدقيق بين شركاء متنافسين، فمن جهة، ترتبط بعلاقة استراتيجية عميقة مع السعودية، تقوم على دعم اقتصادي مستمر وتعاون دفاعي طويل الأمد.

هذه العلاقة تُعد أحد أعمدة استقرار باكستان الداخلي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها.

ومن جهة أخرى، لا تستطيع إسلام آباد تجاهل إيران، الجار المباشر الذي تشترك معه في حدود طويلة وملفات أمنية حساسة، ما يفرض عليها الحفاظ على مستوى من التنسيق والتفاهم، حتى في ظل التباينات.

هذا الواقع لا يعكس وجود تحالف ثلاثي بين السعودية وباكستان وإيران، بل يكشف عن نمط أكثر تعقيدًا من العلاقات، حيث تتقاطع المصالح دون أن تتطابق، وتُدار التناقضات دون أن تصل بالضرورة إلى القطيعة. باكستان، في هذا السياق، لا تتحرك كحليف مطلق لهذا الطرف أو ذاك، بل كدولة تسعى إلى تعظيم هامشها الاستراتيجي، عبر الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة مع الجميع، وتجنب الانزلاق إلى محاور صلبة قد تقيد خياراتها.

في موازاة ذلك، تبقى احتمالات التصعيد قائمة بقوة، فإيران تلوّح بتوسيع نطاق المواجهة في حال تعرضت لضغوط قصوى، بما في ذلك تهديد خطوط الملاحة الحيوية، في حين تواصل إسرائيل استعداداتها العسكرية تحسبًا لأي سيناريو مفتوح.

هذه المعادلة تضع المنطقة في حالة توازن هش، حيث يتم رفع منسوب التهديد دون الوصول إلى نقطة الانفجار الشامل، في ما يشبه إدارة محسوبة لحافة الهاوية.

على المستوى الدولي، يتجلى انقسام واضح في مقاربة الأزمة، فالولايات المتحدة تدفع نحو تسوية مشروطة تحفظ مصالحها الاستراتيجية، بينما تدعو روسيا، عبر وزير خارجيتها سيرغي لافروف، إلى احتواء التصعيد وفتح المجال أمام حلول سياسية، في إطار سعيها لتعزيز دورها كقوة موازنة. أما الصين، فتواصل دعمها لمسار التهدئة، انطلاقًا من رؤيتها لنظام دولي متعدد الأقطاب، تسعى من خلاله إلى تقليص الهيمنة الغربية وإعادة توزيع مراكز النفوذ.

وسط هذه التعقيدات، تبدو المنطقة وكأنها تعيش مرحلة ما بين حالتين: ليست حربًا شاملة تُحسم فيها الصراعات بالقوة، وليست سلامًا مستقرًا تُحل فيه الأزمات جذريًا.

إنها مرحلة انتقالية تُدار فيها الأزمات بأدوات مركبة، حيث تُستخدم القوة كوسيلة ضغط، والدبلوماسية كأداة لشراء الوقت وإعادة ترتيب الأوراق.

السؤال الجوهري، إذن، لا يتعلق فقط بما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تهدئة أو تصعيد، بل بطبيعة النظام الذي سيتشكل في نهاية هذه المرحلة.

هل نحن أمام إعادة إنتاج لتوازنات تقليدية بصيغة جديدة؟ أم أن العالم يتجه فعلًا نحو نظام أكثر تعددية، تتوزع فيه مراكز القرار بشكل غير مسبوق؟

الإجابة لا تزال مفتوحة، لكن ما يبدو واضحًا هو أن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة تأسيسية يُعاد فيها رسم خرائط النفوذ، وتُختبر فيها قدرة الدول على التكيف مع واقع دولي يتغير بسرعة.

وفي قلب هذا التحول، تبرز الدول القادرة على المناورة، مثل باكستان وتركيا، كأطراف فاعلة في تشكيل المرحلة المقبلة، لا مجرد متلقية لتداعياتها.