حياكم الله إخوتي الكرام،
عدن لم تكن يومًا مجرد مدينة على خارطة، بل شكلت عبر تاريخها الطويل حالة استثنائية من الحضور الإنساني والحضاري، حيث منحها موقعها الجغرافي الفريد مكانة عالمية جعلتها في إحدى المراحل ثاني أهم ميناء في العالم. هذه المدينة لم تُبْنَ بالحجر فقط، بل بالتنوع الذي احتضنته، حيث التقت فيها ثقافات متعددة وأديان ومذاهب وأعراق مختلفة، ونجحت في تحويل هذا التنوع إلى نموذج نادر من التعايش والانسجام.
ومع تعاقب السنوات، لم تتراجع هذه الهوية، بل تعززت واتسعت، مع نمو المدينة جغرافيًا وسكانيًا، لتصبح بوتقة حقيقية صهرت الجميع في إطار مدني واحد. نشأت أجيال داخل هذا الفضاء، تعلّمت معًا، وعاشت معًا، وأسست لما يمكن وصفه بالهوية العدنية الجامعة، التي لا تُقصي أحدًا ولا تُفرّق بين مكون وآخر.
في سياق هذا التاريخ، ظهر شعار “عدن للعدنيين” في مرحلة دقيقة، حين فرض الاستعمار واقعًا غير متوازن، من خلال جلب جنسيات متعددة ومنحها امتيازات واسعة في الوظائف والإدارة والقرار السياسي. جاء الشعار حينها كصرخة حق، تعبر عن مطالبة أبناء المدينة بحقوقهم المشروعة في العمل والخدمات، وليس كدعوة للإقصاء أو الانغلاق. وقد تجسد هذا المعنى في الوجدان الشعبي، حتى في الأغنية الشهيرة “امنعوا الهجرة جوها وبحرها” للفنان محمد مرشد ناجي، التي مُنعت من البث آنذاك لما حملته من رسالة واضحة.
غير أن مرحلة ما بعد الاستعمار، التي كان يُعوّل عليها لبناء واقع أكثر عدالة، شهدت تحديات معاكسة، حيث تم إقصاء عدد من الكوادر العدنية من مواقعها، مما أدى إلى هجرة واسعة للعقول والكفاءات نحو الخارج، لتخسر المدينة جزءًا مهمًا من رصيدها البشري الذي كان يمكن أن يسهم في نهضتها.
ورغم هذه التحولات، بقيت عدن محافظة على روحها المدنية، واستمرت في احتضان التنوع، وبناء مجتمع متماسك يقوم على
التفاهم والاحترام. ومع ذلك، تظهر بين الحين والآخر بعض الأصوات التي تحاول إعادة إنتاج خطاب ضيق يقوم على التمييز، وهي حالات محدودة لا تعكس حقيقة المجتمع العدني ولا قيمه الراسخة.
من هنا، تصبح الحاجة ملحة لتعزيز الوعي، وترسيخ ثقافة قائمة على العقلانية، تحمي النسيج الاجتماعي وتدعم فكرة أن عدن مدينة للجميع، وأن قوتها الحقيقية تكمن في هذا التنوع. كما أن إدارة المرحلة تتطلب إعادة الاعتبار لمعيار الكفاءة والخبرة، بوصفه الأساس في تولي المسؤوليات، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى، لضمان خدمة المدينة بشكل يليق بتاريخها ومكانتها.
إن الرهان الحقيقي اليوم هو على بناء مشروع مدني جامع، يتبنى شعار “عدن تجمعنا”، ويجعل منه إطارًا لوحدة الصف وتكامل الجهود. كما أن الاستثمار في الشباب، وتأهيلهم وتمكينهم، يمثل الطريق الأكثر واقعية لبناء مستقبل مستقر، تُدار فيه عدن بعقول أبنائها، وبوعي يدرك حجم التحديات ويؤمن بقدرة المدينة على تجاوزها.
وفي الختام، تبقى عدن أكبر من كل محاولات الاختزال، وأوسع من أي مشاريع ضيقة، فهي مدينة صنعت هويتها بالتنوع، ولن تحافظ على مكانتها إلا بالتمسك بهذه القيم.
أخوكم / رشيد عجينه