أثار مقال الكاتب صالح الدويل الأخير، والذي وصف فيه موقف "مجلس شبوة الوطني العام" بأنه "نكوص عن لحظة التوافق"، تساؤلات جوهرية حول المفهوم الحقيقي للإجماع السياسي. ففي خضم البحث عن الاستقرار، يبدو أن البعض يخلط بين "التوافق" كعملية تشاركية، وبين "الإملاء" كمنتج جاهز يُطلب التوقيع عليه كشرط لإثبات حسن النوايا.
يأخذ المقال على المجلس رفضه لوثيقة يُدّعى أنها لم تكن "مفاجئة" وتم نقاشها مسبقاً، وهنا تبرز المفارقة الكبرى وتتساقط ادعاءات الإجماع. كيف يمكن الحديث عن "نقاشات واسعة" أو التباهي بتوافق شامل في ظل التجاهل التام لمكونين هامين من ركائز شبوة السياسية والاجتماعية، وهما: "مجلس شبوة الوطني العام" و"حلف قبائل شبوة"؟ لم يتم توجيه الدعوة لهذين المكونين، ولم يُشركا قط في المشاورات التي يُدَّعى عقدها، فكيف يُطالبان اليوم بالتوقيع على رؤية صِيغت في غيابهما؟!!
إن التوافق الحقيقي لا يُبنى بإحضار المكونات في اللحظة الأخيرة للتوقيع على وثيقة جاهزة كـ"تحصيل حاصل"، بل بجلوس الجميع على طاولة واحدة لصناعة هذه الرؤية منذ البداية.
في الخطاب السياسي الشبواني اليوم، تبدو كلمة "التوافق" ناعمة ومغرية، لكنها أحياناً تُستخدم كـ "خط نهاية" يُطلب من الجميع الوصول إليه، دون أن يكونوا قد شاركوا في رسم الطريق. كأننا أمام دعوة عشاء جماعية، يُفرض فيها على الجميع تناول نفس الطبق الجاهز، ومن يعترض على الوصفة أو الطبخة يُتهم بإفساد المأدبة!
أما الحديث عن "تعدد المرجعيات" كمدخل للخراب، فهو قراءة تتجاهل طبيعة شبوة وتاريخها الممتد من التوازنات الدقيقة والعلاقات المركبة. من السهل القول إن المرحلة لا تحتمل تعدد الأصوات، لكن الأصعب هو الإجابة عن سؤال بديهي: هل كانت شبوة يوماً تُدار بصوت واحد؟
التاريخ يؤكد أن قوتها كانت دائماً في "تنظيم التعدد" وليس "إلغاءه". الفوضى لا تبدأ حين تتعدد الأصوات وتُنظّم بالحوار، بل تبدأ حين يُقمع هذا التعدد أو يُراد اختزاله في قالب أُحادي لا يتسع للجميع. ومحاولة حشر الطيف الشبواني الواسع في "غرفة واحدة" بقفل واحد هو أقصر الطرق لإنتاجها.
في لحظات العواصف السياسية، يظهر الفرق جلياً بين من ينصب "خيمة" مؤقتة، وبين من يسعى لتأسيس بناء متين. الخيمة سريعة التجهيز، وتبدو واسعة من الخارج، لكنها لا تصمد أمام الرياح ولا تحتمل اختلافات من بداخلها. أما البناء المؤسسي الحقيقي، فيأخذ وقتاً، ويحتاج إلى هندسة دقيقة وشراكة فعلية، ولكنه في النهاية يبقى ويحمي.
ومن المستغرب في هذا السياق، تبرير اشتراط السلطة المحلية الموافقة على مسار سياسي معين كبطاقة عبور لممارسة العمل المدني والمؤسسي (كفتح المقرات). هذا الربط يعكس ضيقاً صريحاً بالاختلاف، ويحوّل التوافق من خيار وطني طوعي إلى "امتحان طاعة" إداري، وهو أمر لا يخدم المحافظة ولا يعزز من مكانة سلطتها المحلية التي يُفترض أن تقف على مسافة واحدة من الجميع.
ما يُطرح اليوم من قِبل "مجلس شبوة الوطني العام" ليس نكوصاً ولا تغريداً خارج السرب، بل هو محاولة جادة لتصحيح المسار. المجلس لا يبحث عن "خيمة مستقلة" وقت العاصفة كما يُشاع، بل يدعو لتأسيس بناء راسخ يشارك الجميع في وضع لبناته بلا إقصاء أو تهميش.
شبوة قررت فعلاً أن تكون سيدة قرارها، وسيادتها لا تكتمل إلا باحترام كافة أصوات أبنائها، لا بمصادرتها تحت لافتات الإجماع المصطنع. محافظتنا بحاجة ماسة إلى صيغة تتسع لا تضيق، وتستوعب ولا تستبعد، فما يصمد في النهاية ليس الصوت الأعلى، بل الصيغة الأوسع.