برأيي، ما يحدث في قطاع الصرافة بعدن ليس أزمة مفاجئة بقدر ما هو انكشاف متأخر لاختلالات تراكمت لسنوات.
الحرب، ونهب الحوثيين لإستثمارات البنوك في أدوات الدين المحلي، أضعفت القطاع المصرفي الرسمي، وخلقت انقساما مؤسسيا في البنك المركزي بين عدن وصنعاء، وأدت إلى فجوات كبيرة في الرقابة والإشراف. حيث تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن البنوك اليمنية تواجه أصلًا مشكلات سيولة وملاءة وإمكانية الوصول إلى النقد الأجنبي، إضافة إلى العزلة عن الشبكات المالية الإقليمية والدولية، بينما أدى تآكل الثقة بالبنوك إلى زيادة الاعتماد على شركات الصرافة غير الرسمية.
المشكلة الأساسية أن قطاع الصرافة تمدد أكثر من حجمه الطبيعي خلال سنوات الحرب، لأن البنوك تراجعت عن كثير من وظائفها التقليدية، وملأت شركات الصرافة جزءًا من هذا الفراغ. فوفق تشخيص البنك الدولي، فإن شركات الصرافة تمثل فقط نحو 12–15% من أصول القطاع المصرفي، لكنها تمتلك 35 – 40% من صافي الأصول الأجنبية للقطاع، بما منحها دورًا أكبر من حجمها الحقيقي في توفير السيولة بالعملة الأجنبية للاقتصاد. هذه التركيبة جعلت القطاع يبدو قويًا ظاهريًا، لكنه في الحقيقة كان شديد الحساسية لأي تشديد رقابي أو تراجع في هامش المضاربة.
لذلك، أرى أن إجراءات البنك المركزي التصحيحية كشفت هشاشة قائمة أصلًا، ولم تصنعها. وصندوق النقد أوضح في بعثة المادة الرابعة أن تراجع عرض النقد الأجنبي ونمو المضاربات في 2025 دفع الحكومة إلى إنشاء اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، وفرض حدود على شراء العملات الأجنبية للأغراض الشخصية، ومنع استخدام العملات الأجنبية في المعاملات المحلية، وسحب تراخيص بعض محال الصرافة المشتبه بتورطها في التلاعب. وبحسب الصندوق، هذه الإجراءات ساعدت على تحسن واستقرار الريال اليمني وخفض التضخم. لكن الجانب الآخر أن هذه الإجراءات سحبت من بعض شركات الصرافة مصدر الربحية السهل والسريع القائم على المضاربة واتساع فروقات السعر، فظهرت مباشرة هشاشة نماذج أعمالها.
بمعنى أوضح، حين كان جزء من القطاع يعمل في بيئة سعر صرف مضطربة، كانت بعض محال وشركات الصرافة تستفيد من التذبذب نفسه. وعندما بدأ البنك المركزي يقيّد المضاربة ويعيد توجيه الطلب على النقد الأجنبي إلى قنوات أكثر انتظامًا، انكشفت مؤسسات كانت قد بنت نشاطها على دور غير مستدام. ولهذا فإن التوقف عن لعب دور المضاربة لم يكن مجرد تعديل تشغيلي، بل كان بمثابة صدمة ارتدادية لقطاع تضخم بسرعة خلال الحرب دون أن يرتكز على قواعد مصرفية متينة أو رسملة كافية أو إدارة مخاطر محترفة.
أما أزمة السيولة فهي عامل محوري هنا. فالبنك المركزي في عدن ذكر في تقريره الشهري أن إجمالي الودائع في البنوك التجارية والإسلامية انخفض في مايو 2025 بنحو 177.6 مليار ريال يمني خلال شهر واحد، كما انخفض الائتمان المقدم للقطاع الخاص بنحو 46 مليار ريال، وانخفض النقد المتداول أيضًا إلى نحو 3.32 تريليون ريال. هذه الأرقام تعني أن الجهاز المالي كله كان يعمل تحت ضغط سيولة واضح، وليس فقط مجال الصرافة. وعندما تكون السيولة شحيحة، تصبح قدرة شركات الصرافة على شراء العملات من الجمهور أو تلبية السحوبات أو تمويل التحويلات أضعف، فتظهر حالات التعثر بسرعة أكبر.
ويجب أيضًا ربط ما يحدث بتدهور البيئة الكلية. فصندوق النقد أكد أن الاقتصاد دخل في ركود عميق بعد توقف صادرات النفط في 2022، وأن العجزين المالي والخارجي تفاقما في البداية ثم انحسرا لاحقًا بفعل ضغط الإنفاق وتراجع الطلب الحقيقي وسط التضخم وتدهور العملة. كما أشار البنك الدولي إلى أن شح النقد الأجنبي وتراجع الاحتياطيات كانا من الأسباب التي دفعت السلطات إلى إجراءات الاستقرار في 2025 بعد وصول سعر الصرف في سوق عدن إلى 2,905 ريال للدولار في منتصف يوليو 2025. عندما تجتمع صدمة الإيرادات الخارجية مع ضعف البنوك وأزمة السيولة، يصبح قطاع الصرافة أول من يتعرض للاهتزاز لأنه الحلقة الأكثر التصاقًا بالسوق اليومية.
الخلاصة ما يجري في قطاع الصرافة بعدن هو تصحيح قاسٍ لبنية مالية مشوهة نشأت في اقتصاد حرب، حيث تمددت الصرافة على حساب العمل المصرفي المنظم. الإجراءات التصحيحية للبنك المركزي كانت ضرورية لاستعادة الانضباط النقدي، لكنها في الوقت نفسه كشفت أن جزءًا من هذا القطاع كان قائمًا على المضاربة والاستفادة من الفوضى أكثر مما كان قائمًا على الوساطة المالية السليمة. وأزمة السيولة سرّعت هذا الانكشاف وحولت الهشاشة الكامنة إلى تعثرات وإفلاسات ومخاطر أوسع على الاستقرار المالي، إلا أن هذا لا يعني أن المعالجة تكتمل بمجرد تشديد الرقابة، فجوهر الأزمة اليوم أعمق من اختلالات الصرافة، بل يمتد إلى شح السيولة واختلال هيكل النقد نفسه والخطر الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تعثر بعض شركات الصرافة، بل في انتقال العدوى إلى الدورة الاقتصادية ككل، حيث يؤدي شح السيولة إلى تعطّل المعاملات اليومية، وارتفاع كلفة التجارة، وتآكل الثقة بالنظام المالي، وهو ما قد يحوّل الأزمة من تصحيح قطاعي إلى أزمة استقرار مالي أوسع إذا لم تتم معالجتها بشكل متوازن وعاجل. ولذلك فإن أي معالجة جادة تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، من أبرزها:
1- التحول التدريجي نحو المدفوعات الإلكترونية، من خلال توسيع المحافظ الإلكترونية وربطها بالرواتب والتحويلات، بما يخفف الضغط على النقد الورقي ويعيد تنشيط الدورة المالية دون الحاجة لطباعة إضافية.
2- إدخال نظام تسويات فورية بين البنوك وشركات الصرافة (Real-time settlement)، لتقليل الاعتماد على الكاش في العمليات اليومية، وتقليص فجوة السيولة بين الأطراف.
3- تحفيز إعادة الإيداع عبر أدوات غير تقليدية، مثل ربط بعض الخدمات الحكومية والجمركية بالدفع عبر القنوات المصرفية.
4- إطلاق برنامج وطني لاستبدال العملة التالفة والمتهالكة، لأن جزءًا من السيولة فعليًا خارج التداول بسبب التلف أو الاكتناز، وهو ما يخلق “شحًا مصطنعًا” في السوق رغم وجود كتلة نقدية كبيرة نظريًا.
5- إعادة هيكلة دور الصرافة بحيث تتحول من لاعب مضارب إلى وكيل مالي منظم يعمل ضمن شبكة رقابية واضحة مرتبطة بالبنك المركزي.
6- إنشاء نظام مدفوعات إلكتروني وطني منخفض التكلفة وسريع الانتشار، مستفيد من انتشار الهاتف المحمول في اليمن.
6- ربط جزء من التحويلات الخارجية (المغتربين) مباشرة بالقنوات المصرفية عبر حوافز سعرية، بما يعزز تدفق العملة الصعبة داخل النظام الرسمي بدل السوق الموازي.
فارس النجار
مستشار مكتب رئاسة الجمهورية للشؤون الاقتصادية