آخر تحديث :الأربعاء-15 أبريل 2026-01:14ص

حضرموت: الأصالة والثبات في وجه المتغيرات

الثلاثاء - 14 أبريل 2026 - الساعة 02:35 م
أ.د. خالد سالم باوزير

بقلم: أ.د. خالد سالم باوزير
- ارشيف الكاتب


حضرموت هي الأصل والثبوت؛ لن يؤثر عليها أو على أبنائها كره الكارهين، ولا تطاول المتطاولين، ولن تنال منها حملات الدعاية والتحريض الممنهج. حضرموت محمية بإرادة الله، ثم بوعي شعبها ورجالها المخلصين.


إن اسم حضرموت ضارب في جذور التاريخ لأكثر من سبعة قرون، وهي أرض وإنسان وجغرافيا ثابتة لا تتغير وفق أمزجة السياسيين، بل إنها تزداد قوة وصلابة كلما تكاتفت ضدها التحديات.


العلاقة مع الجوار وتآمر التاريخ:

إن علاقتنا بالمملكة العربية السعودية أعمق وأمتن من علاقتنا مع مشاريع "الجنوب" و"الشمال" التي فرضتها الظروف السياسية. فجنوب عام 1967م الذي عرفناه على يد "الجبهة القومية" لم يكن إلا نتاج تآمر بريطاني؛ حيث أدركت بريطانيا حينها التوجهات القومية والشيوعية لتلك المجموعات، فسلمتها أرض حضرموت البكر الغنية بالثروات، والشعب الحضرمي الممتد في مهاجره بشرق آسيا وأفريقيا.


لقد استنتجت أدوات الاستعمار البريطاني أن حضرموت يصعب استقرارها ضمن منظومة "الجنوب" آنذاك، نظراً للتوجهات الاشتراكية المعادية للإمبريالية، ولأن طبيعة الصراعات والاقتتال كانت جزءاً من سلوك بعض القوى هناك. ورغم الوعود المقطوعة للسلاطين، نكثت بريطانيا بعهودها وسلمت حضرموت للجبهة القومية عنوة، إدراكاً منها بأن الاستقرار في ظل تلك المعطيات سيكون ضرباً من المستحيل.


المصالح الدولية والموقف السعودي:

من جانب آخر، أدركت بريطانيا أن السعودية قد وثقت علاقاتها مع الولايات المتحدة منذ لقاء الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت عام 1945م، مع أفول نجم الإمبراطورية البريطانية وبروز أمريكا كقوة اقتصادية عالمية، خاصة بعد اكتشاف النفط عام 1937م. ومن باب المنافسة السياسية، وقف الإنجليز ضد طموحات الملك فيصل (رحمه الله) وتحركاته لضم حضرموت إلى المملكة عام 1967م، رغم العمق الاستراتيجي والعلاقات التاريخية والحدودية والجالية الحضرمية الكبيرة في السعودية.


ستون عاماً من الخسائر:

ماذا كسبت حضرموت وشعبها منذ عام 1967م وحتى قيام الوحدة؟ لم تحصد سوى الصراعات، والاقتتال بين قيادات الحزب الحاكم، والتصفيات، والتأميم، والتنكيل، وهي أعمال تتنافى مع الطبيعة المسالمة والمدنية للحضارم.


ثم جاء عام 1990م، ليزج بنا حكام الاشتراكي في وحدة غير متكافئة مع الشمال؛ فدفعوا بمليوني نسمة (سكان الجنوب حينها) إلى شراكة مع أكثر من عشرين مليوناً في الشمال. ورغم أملنا في الانفتاح والحرية، إلا أن الصراع انفجر سريعاً بين "العليين" (صناع الوحدة أو النكبة)، ومررنا بحرب 1994م، ثم اجتياح الحوثيين، وصولاً إلى سيطرة القاعدة على حضرموت وتحريرها في أبريل 2015م.


النهب الممنهج والواقع المرير:

لم تجنِ حضرموت من الوحدة شيئاً يُذكر سوى نهب ثرواتها. فمنذ اكتشاف النفط عام 1992م، نُهب ما يقارب نصف تريليون دولار من قبل حكام الشمال والقوى النافذة، دون أن تُبنى بها مدرسة، أو مشفى، أو جامعة، أو تحسن وضع الكهرباء والمياه. بل أُقصي الحضارم حتى من الوظائف الدبلوماسية والمنظمات الدولية.


رسالة أخيرة:

إلى الذين يحاولون اليوم جرّنا لمربعات الصراع القديمة: أنتم ومن سار على نهجكم من أممتم ممتلكات الحضارم ودمرتم جيش البادية بقرارات عشوائية. إن الحضارم اليوم قد استوعبوا الدرس جيداً، ولن يكرروا مآسي الماضي الأليم.


نحن لا نتدخل في شؤون أحد، لا في الجنوب ولا في الشمال. دعونا وشأننا، واتركوا حضرموت تقرر مصيرها ويحدد شعبها خياراته بما يضمن كرامته واستقلالية قراره.

والله من وراء القصد..