بقلم / غالب منصور
في ظل التحديات الاقتصادية والإدارية التي تمر بها الدولة، لم يعد الحديث عن مكافحة الفساد ترفًا سياسيًا أو شعارًا إعلاميًا، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة لحماية ما تبقى من مؤسسات الدولة وتعزيز ثقة المواطن، ومن أبرز الأدوات القانونية التي ما زالت معطلة أو لم تُفعل بالشكل المطلوب هو القانون رقم (30) لسنة 2006م بشأن إقرار الذمة المالية، الذي يُعد حجر الأساس في بناء منظومة الشفافية والمساءلة .
هذا القانون لم يصدر عبثًا، بل جاء ليواكب متطلبات الإصلاح الإداري والمالي، ويُلزم كبار المسؤولين في الدولة بالإفصاح عن ممتلكاتهم وأصولهم المالية عند توليهم المناصب، وأثناء شغلها، وعند مغادرتهم لها، والهدف واضح منع تضارب المصالح، والحد من الإثراء غير المشروع، وكشف أي نمو غير مبرر في الثروات .
لكن المشكلة ليست في النصوص، بل في غياب الإرادة الجادة لتطبيقها، فالقانون، رغم أهميته، ظل حبيس الأدراج، في وقت تتزايد فيه الشبهات حول الفساد المالي والإداري، وتتراجع فيه ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، إن استمرار تعطيل هذا القانون يُعد بحد ذاته خللاً خطيرًا في منظومة الحوكمة، ويبعث برسائل سلبية مفادها أن المساءلة انتقائية أو غائبة .
إن تفعيل هذا القانون اليوم يجب أن يكون أولوية قصوى، وذلك من خلال خطوات عملية واضحة، تبدأ بإلزام جميع المشمولين به – من قيادات عليا ووسطى – بتقديم إقرارات ذمة مالية دقيقة ومحدثة، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية وآمنة لهذه الإقرارات، وربطها بأجهزة الرقابة والمحاسبة، كما ينبغي فرض عقوبات رادعة على كل من يتخلف عن تقديم الإقرار أو يقدم بيانات مضللة .
إلى جانب ذلك، لا بد من تفعيل دور الأجهزة الرقابية، ومنحها الاستقلالية الكاملة للقيام بمهامها دون تدخل، مع إشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام في تعزيز ثقافة الشفافية والمساءلة، فمحاربة الفساد ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تكاتف الجميع .
إن تطبيق القانون رقم (30) لسنة 2006م ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة في الإصلاح، ورسالة واضحة بأن لا أحد فوق القانون، فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بالممارسات الفعلية التي تكرّس العدالة وتُعيد الثقة بين الحاكم والمحكوم .
وفي الختام، فإن التأخير في تفعيل هذا القانون لم يعد مبررًا، بل أصبح عبئًا إضافيًا على كاهل الدولة، والعمل الفوري به هو الخطوة الأولى في طريق طويل نحو دولة مؤسسات يسودها القانون، وتُصان فيها الأموال العامة، ويُحاسب فيها كل من تسوّل له نفسه العبث بمقدرات الوطن .