آخر تحديث :الإثنين-13 أبريل 2026-10:36م

الحصار البحري على إيران.. ضربة استراتيجية من خارج الصندوق

الإثنين - 13 أبريل 2026 - الساعة 12:17 م
وسام باسندوة

بقلم: وسام باسندوة
- ارشيف الكاتب


‏يُعدّ قرار فرض حصار بحري على إيران من أكثر القرارات الاستراتيجية جرأة وابتكارًا في إدارة الصراع الجيوسياسي والاقتصادي في هذه الحرب. فهذا القرار لا يندرج ضمن الأدوات التقليدية للعقوبات الاقتصادية، بل يتجاوزها إلى مستوى أشد تأثيرًا وفاعلية، حيث يستهدف شريان الاقتصاد الإيراني بشكل مباشر، ويعيد تشكيل موازين القوة دون الدخول في مواجهة عسكرية شاملة. وسأحاول تفصيله بهذا المقال من عدة أوجه:

‏أولًا، يتمثل البُعد العبقري في هذا القرار في قدرته على خنق الاقتصاد الإيراني بسرعة غير مسبوقة. فبدلًا من العقوبات التقليدية التي تحتاج وقتًا طويلًا لتؤتي ثمارها، يأتي الحصار البحري ليضرب في العمق: الصادرات والواردات. تشير التقديرات إلى أن إيران قد تخسر نحو ٢٧٦ مليون دولار يوميًا من الصادرات، إضافة إلى تعطّل واردات بقيمة ١٥٩ مليون دولار يوميًا، ما يعني خسارة إجمالية تقارب ٤٣٥ مليون دولار يوميًا، أي نحو ١٣ مليار دولار شهريًا. هذه الأرقام تعكس حجم الاعتماد الإيراني الكبير على الممرات البحرية، حيث يمر أكثر من ٩٠٪ من تجارتها عبر الخليج.

‏ثانيًا، يسحب هذا القرار من إيران إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية، وهي ورقة الابتزاز عبر مضيق هرمز. فلطالما استخدمت طهران هذا المضيق كورقة ضغط على العالم، ملوّحة بإغلاقه أو تهديد الملاحة فيه لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية. لكن الحصار البحري يعكس المعادلة، إذ يحرم إيران من دور “الشرطي” في المضيق ويجعلها هي الطرف المحاصر، ما يُفقدها القدرة على تحقيق عوائد من القرصنة والتحكم في حركة التجارة العالمية.

‏ثالثًا، يضع هذا الإجراء إيران في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ولكن بطريقة مبررة سياسيًا. فلو كان قد تم فرض هذا الحصار البحري الشامل بشكل تقليدي استباقيا من قبل الولايات المتحدة، لكان قد واجه معارضة دولية واسعة. أما الحصار البحري الآن فيأتي في سياق ردّ على تهديدات الملاحة الدولية، ما يجعله مبررا ومقبولا.

‏ومن المهم الإشارة هنا إلى أن لدينا تجارب تُظهر أن الحصار عندما يُفرض بجدية يمكن أن يُحدث تأثيرًا سريعًا وعميقًا. فحين يتم تشديد الرقابة البحرية ومنع التهريب، تختنق الموارد المالية وتضعف القدرة التشغيلية للجهات المستهدفة. وهذا ما يُتوقع أن يحدث مع إيران، التي تعاني أصلًا من وضع اقتصادي هش، وتواجه ضغوطًا داخلية متزايدة. فالنظام الإيراني يدرك أن أخطر ما يواجهه ليس الضغط الخارجي فقط، بل احتمال انفجار الأوضاع الداخلية نتيجة التدهور الاقتصادي، ولذلك كان يسعى بكل وسيلة للحصول على التدفقات المالية التي تبقيه مستمرا.

‏اقتصاديًا، يتجلى التأثير بشكل أوضح في قطاع الطاقة، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني. النفط والغاز اللذان يشكلان نحو ٨٠٪ من إيرادات الحكومة من الصادرات، وحوالي ٢٣.٧٪ من الناتج المحلي الإجمالي. ومع الحصار، سيتوقف تصدير نحو ١.٥ مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب ١٣٩ مليون دولار يوميًا. كما ستتوقف صادرات البتروكيماويات التي تبلغ نحو ٥٤ مليون دولار يوميًا، إضافة إلى خسائر في الصادرات غير النفطية والتي تُقدّر بحوالي ٧٩ مليون دولار يوميًا.

‏الأخطر من ذلك هو محدودية البدائل. فالموانئ الواقعة خارج مضيق هرمز، مثل ميناء جاسك أو تشابهار، لا تمتلك القدرة التشغيلية الكافية لتعويض هذا النقص. إذ لا تستطيع هذه الموانئ مجتمعة تغطية أكثر من ١٠٪ من حجم التجارة التي تمر عبر الخليج، ما يجعل الحصار شبه محكم.

‏ولا يمكن إغفال التأثير النقدي، حيث سيؤدي فقدان تدفقات العملة الأجنبية إلى تسارع انهيار الريال الإيراني، الذي يعاني أصلًا من تدهور حاد. ومع ارتفاع التضخم إلى مستويات خطيرة، قد يدخل الاقتصاد في مرحلة تضخم مفرط، ما يضاعف الضغوط على المجتمع ويزيد من احتمالات الاضطراب الداخلي.

‏أما على الصعيد الدولي، فإن حلفاء إيران هم الأكثر تضررًا من هذا الوضع. فالدول التي تعتمد على التجارة عبر الخليج، وعلى رأسها الصين، ستتأثر بشكل مباشر. ومع ذلك، من غير المرجح أن تدخل هذه الدول في مواجهة عسكرية لأجل إيران، أو أن تتحدى الحصار بشكل مباشر، لما قد يترتب على ذلك من مخاطر تصعيد عالمي. وبالتالي، فإن الضرر الواقع على الحلفاء قد يتحول إلى عامل ضغط على إيران نفسها، بدل أن يكون مصدر دعم لها.

‏في المحصلة، يُعدّ الحصار البحري أداة ضغط مركّبة تجمع بين التأثير الاقتصادي السريع، والتفوق الاستراتيجي، والغطاء السياسي المقبول دوليًا. وهو مثال واضح على كيف يمكن لفكرة “من خارج الصندوق” أن تُحدث تأثيرًا يفوق بكثير الأدوات التقليدية، وتضع إيران أمام تحدٍ اقتصادي غير مسبوق قد يعيد تشكيل سلوكها أو يقضي تماما على اوضاع استقرارها الداخلي الهش اصلا.