ما قاله الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي لم يكن مجرد كلام عابر أو استعراض إعلامي، بل بدا وكأنه صرخة مبكرة في وجه عاصفة كانت تتشكل بصمت .
اليوم، ومع اشتداد الأزمات وتفكك المشهد في أكثر من بقعة، يعود ذلك الصوت القديم ليُطرح بقوة .. هل كان الرجل يرى ما لم يره الآخرون ؟
لم يتحدث القذافي بلغة الدبلوماسية الناعمة، بل بلغة صادمة، مباشرة، تكاد تلامس حد التحذير الناري .
أشار إلى شرق أوسط يُعاد تشكيله لا بالحوار، بل بالفوضى، ولا بالتفاهم، بل بإعادة رسم الخرائط على وقع الصراعات . طرح سيناريوهات تفكيك دول، وتحويلها إلى كيانات هشة، تتنازعها القوى وتُستنزف من الداخل، حتى تفقد معناها كدول ذات سيادة .
وفي قلب هذا الطرح، كان الحديث عن اختفاء دول أو تقلص أدوارها، وعن قوى إقليمية تسعى لفرض واقع جديد يجعلها اللاعب الأبرز، مهما كان الثمن .
لم يكن الطرح مبنياً على أدلة مباشرة بقدر ما كان قراءة لمآل ومسار الأحداث، لكن الفقيد الراحل في الوقت ذاته استند إلى فهم عميق لطبيعة الصراعات الدولية، حيث لا مكان للضعفاء .
اليوم، ومع استمرار الحروب، وتعدد النفوذ، وتآكل مؤسسات بعض الدول، تبدو تلك التصريحات وكأنها تكتسب بعداً جديداً . ليس لأنها تحققت حرفياً، بل لأن المناخ الذي وصفه، مناخ التفكك، والانقسام، وصراع المصالح، بات واقعاً ملموساً .
هذه الرؤى، مهما بدت نارية أو صادمة، تبقى في النهاية تحليلات سياسية، تحتمل الصواب والخطأ، فالتاريخ لا يُكتب بنبوءات الأفراد، بل بتشابك معقد من القرارات، والمصالح، والمفاجآت .
فهل كان القذافي رحمه الله محقاً ؟
ولماذا تجد مثل هذه الأفكار صدى واسعاً اليوم ؟
وهل نحن أمام قراءة مبكرة .. أم أمام خوف مستمر يُعاد إنتاجه مع كل أزمة جديدة ؟