هناك أشياء كثيرة وثقيلة نحملها في أعماقنا دون أن نراها بالعين، لكنها تترك أثرها في كل تفاصيل حياتنا. في مقدمة هذه الأعباء يقف الجهل والتخلف، كظلٍ طويل يرافق المجتمعات حين تغيب المعرفة ويخفت نور الوعي والعلم . فليس الألم دائماً في قلة الإمكانات، بل في غياب الفكرة التي تُنير الطريق، وفي العقول التي لم تُمنح فرصة أن تسأل، أو تفكر ، أو حتى تحلم .
نعيش أيضاً بين وجوهٍ أتعبها الكذب، وأقنعةٍ صنعها النفاق، وسلوكياتٍ أرهقها الاحتيال والدجل ، حتى أصبحت بعض الأمراض الاجتماعية كأنها عادات وتقاليد مألوفة لا يُستنكر وجودها. وهذه العلل لا تُبطئ الإنسان فحسب، بل تعيق مسيرة المجتمعٍ بأكمله، فتجعله يدور في دائرةٍ مغلقة بينما العالم يمضي نحو التقدم والرقي .
إن الابتعاد عن المعرفة والثقافة والعلوم لا يحدث فجأة، بل يبدأ منذ الطفولة، حين يُهمَل التعليم في مراحله الأولى، وحين تتحول المدرسة إلى مكانٍ للحفظ لا للفهم ، وللتلقين لا للاكتشاف . هناك، في الصفوف الأولى، تتشكل ملامح المستقبل؛ إما عقلٌ حرّ قادر على البناء، أو ذهنٌ مُقيد يخشى السؤال والنقد .
إن إصلاح نظام التعليم، وجعله قائماً على العلم والمعرفة بعيداً عن الصراعات الضيقة والتأثيرات التي تُقيد الفكر وتلغي العقل ، هو حجر الأساس لبناء جيلٍ جديد. جيلٍ يرى في العلم رسالة، وفي المعرفة قوة، وفي الاختلاف مساحة للنمو لا سبباً للانقسام والتشتت . فحين يتحرر التعليم، يتحرر الإنسان، وحين يتعلم الإنسان كيف يفكر، يصبح قادراً على خدمة مجتمعه والارتقاء به.
وحدها المعرفة قادرة على أن تفتح أبواب الحداثة الحقيقية، وأن تقودنا نحو تنميةٍ صحيحة لا تقوم على المظاهر والشعارات ، بل على الإنسان الواعي. فالأمم لا تتقدم بخطابات المنابر والتخويف ، بل بعقول أبنائها، ولا تُبنى بالصدفة، بل بالتعليم الذي يزرع منذ الصغر بذرة التنوير .