في مدينة أنهكتها التحديات، تعود مآسي السيول لتفتح جراحًا قديمة، بعد حوادث مؤلمة طالت أطفالًا، لتتحول إلى جرس إنذار جديد يؤكد أن لحظة إهمال واحدة قد تكلف المجتمع بأكمله ثمنًا باهظًا لا يمكن تداركه.
تشهد مدينة تعز اليوم أحداثًا مؤلمة تعيد إلى الواجهة خطورة الإهمال في مواسم السيول، بعد حوادث مأساوية طالت أطفالًا، لتصبح هذه الوقائع رسالة تحذير واضحة بأن لحظة واحدة من غياب الانتباه قد تتحول إلى كارثة تمس المجتمع بأكمله.
ولا يمكن قراءة واقع تعز بشكل مبسط أو مجتزأ، فالمدينة تعيش تحت ضغط استثنائي ناتج عن حصار طويل، وتدهور واسع في البنية التحتية، وشح كبير في الموارد، وهو ما جعل إدارة الشأن العام تعمل ضمن هامش ضيق وإمكانات محدودة للغاية، في ظل سيطرة جماعة الحوثي على نحو 90% من موارد المحافظة. وتُعد منطقة الحوبان المنطقة الصناعية لتعز، حيث تتمركز فيها العديد من الشركات التجارية والصناعية.
إن الحصار المفروض على المدينة، إلى جانب رمي النفايات في الأماكن غير المخصصة لمكبات النفايات، والذي تحوّل في بعض الأحيان إلى عائق أمام مجاري السيول، ساهم في تفاقم الأضرار وتهديد حياة السكان، خصوصًا الأطفال.
وتزداد معاناة المدينة مع استمرار حوادث العنف المرتبطة بالوضع القائم، بما في ذلك عمليات القنص التي تنفذها مليسات الحوثي والتي طالت أطفالًا في بعض مناطق المدينة القريبة من نقاط التماس، ما يضيف جرحًا آخر إلى سلسلة الجراح التي تعيشها تعز يوميًا، ويعمّق من حجم الألم الإنساني والأمني الذي يثقل كاهل السكان.
وفي ظل هذا الواقع، يتجدد السؤال: إلى أي مدى يمكن للسلطة المحلية أن تفعل أكثر مما هو متاح لها فعليًا؟
هناك من يرى أن مستوى الخدمات يعكس تقصيرًا واضحًا لا يمكن إنكاره، خصوصًا مع تكرار أضرار السيول في مواسم الأمطار، حيث يلمس المواطن بشكل مباشر حجم العجز في البنية الخدمية.
وفي المقابل، هناك من ينظر إلى الصورة من زاوية أكثر شمولًا، معتبرًا أن السلطة المحلية تبذل جهودًا ملموسة رغم محدودية الإمكانات، وأن ما يُنفذ من أعمال ميدانية يومية يسهم في الحد من تدهور الوضع، وأن غياب هذه الجهود كان سيجعل المشهد أكثر قسوة وتعقيدًا.
وبين هذين الموقفين تتشكل الحقيقة في منطقة وسطى: تقصير قائم من جهة، وجهود محدودة تعمل تحت ضغط شديد من جهة أخرى، في سياق لا يشبه المدن المستقرة ولا يقبل بالمقارنة المباشرة.
ومع توسع وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح النقاش العام أكثر حضورًا، لكنه في أحيان كثيرة يتحول إلى أحكام متسرعة أو تحميل غير متوازن للمسؤولية، وكأن جهة واحدة تتحمل كامل العبء، في حين أن الواقع أكثر تشابكًا وتعقيدًا.
وفي المقابل، تبرز أهمية الوعي المجتمعي بوصفه شريكًا أساسيًا في الحل، إذ لا تقع المسؤولية على المؤسسات وحدها، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع، خصوصًا في مواسم السيول، حين تتحول مجاري المياه والشوارع إلى مناطق خطرة تستوجب أعلى درجات الحذر، لا سيما تجاه الأطفال.
في المحصلة، لا تعيش تعز صورة قاتمة بالكامل ولا واقعًا مثاليًا، بل حالة مركبة بين الألم والجهد، وبين النقد والإنصاف، وتبقى الحاجة ملحة إلى وعي جماعي يوازن بين المحاسبة والمسؤولية، ويبحث عن الحلول بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات، فالأوطان لا تُبنى بالصوت العالي وحده، بل بالفهم والعمل المشترك.