ليست المشكلة في عالمنا العربي نقص النصوص، الشرعية و الدستورية، فالنصوص موجودة، ومحفوظة، ومفصلة, لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين تُنزَّل هذه النصوص على واقعٍ لم يُفهم كما ينبغي.
هنا تحديدًا تتولد الأزمات: حين يكون الحكم صحيحًا في ذاته، لكنه خاطئ في تطبيقه.
إن فقه الواقع هو نقطة الفصل بين حكمٍ يُصلح الواقع وحكمٍ يُربكه.
لأن النص بطبيعته عام، بينما الواقع خاص، متغير، ومليء بالتعقيد. ومن يظن أن امتلاك النص يكفي لإصدار حكمٍ سليم، كمن يظن أن امتلاك الدواء يكفي لعلاج كل مريض دون تشخيص.
لكن الحقيقة الأعمق، والتي كثيرًا ما يتم تجاوزها، أن العلاقة بين النص والواقع ليست دائمًا علاقة انسجام, بل أحيانًا تكون علاقة توتر.
ففي بعض النوازل، يقودك ظاهر النص إلى اتجاه، بينما يدفعك فهم الواقع إلى اتجاه آخر. هنا لا يعود السؤال: ما هو الحكم؟ فقط، بل يصبح: كيف نفهم الحكم في ضوء هذا الواقع؟
وهنا تتمايز العقول والمدارس:
من يتمسك بظاهر النص دون اعتبار كافٍ للواقع، فيُنتج أحكامًا قد تكون منضبطة نظريًا لكنها صادمة عمليًا.
ومن يذيب النص داخل الواقع، فيُنتج أحكامًا مريحة لكنها فاقدة للثبات والمعيار.
وبينهما يقف الفقيه أو الخبير الدستوري، الذي لا يُلغي النص، ولا يستسلم للواقع، بل يُعيد قراءة كلٍ منهما في ضوء الآخر.
فقه الواقع، بهذا المعنى، ليس مجرد معرفة بالحدث، بل هو عملية مركبة تمر بثلاث مراحل:
أولًا: فهم الواقع كما هو
ليس كما يُعرض في الإعلام، ولا كما تريده الأطراف، بل كما هو في حقيقته: من يملك القوة؟ ما هي المصالح؟ ما هي القيود؟ ما الذي يُقال علنًا وما الذي يُدار في الخفاء؟
ثانيًا: تحليل الواقع
لماذا وصلنا إلى هنا؟ ما الأسباب العميقة؟ ما البُنى التي تحكم هذا المشهد؟ لأن الحكم على النتيجة دون فهم أسبابها هو حكم ناقص.
ثالثًا: تقدير المآلات
وهذه أخطر مرحلة. لأن القرار، شرعيًا كان أو دستوريًا، لا يُقاس فقط بصحته في لحظة صدوره، بل بنتائجه بعد ذلك.
قد يكون الحكم صحيحًا من حيث النص، لكنه يقود إلى فوضى، أو انهيار، أو مفسدة أكبر، فهل يبقى صحيحًا حينها في ميزان الحكمة؟
هنا يتحول المفتي أو الخبير القانوني من ناقل حكم إلى صانع قرار.
ولذلك، لم يعد مقبولًا أن يعمل الفقيه أو الخبير الدستوري بمعزل عن بقية التخصصات.
الواقع اليوم أعقد من أن يُقرأ بعين واحدة, و القرار الرشيد يحتاج إلى فهم السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، وتوازنات القوة، تمامًا كما أن الجراح الماهر لا يُقدم على عملية معقدة قبل أن يعرف قدرة القلب، ووضع بقية أعضاء الجسد.
لكن في مقابل هذه الاشكالية، هناك خطر لا يقل اهمية:
أن يتحول فقه الواقع إلى ذريعة لتبرير الواقع، لا لفهمه.
وهنا يقع الانحراف.
حين يبدأ البعض من الواقع، ثم يبحث في النص عما يبرر هذا الواقع، فإنه لا يمارس فقه الواقع، بل يمارس تكييف النص لصالح الأمر القائم.
والفرق دقيق، لكنه حاسم، فقه الواقع الحقيقي: ينطلق من النص، ويفهم الواقع ليحسن تنزيله.
وفقه الواقع المنحرف: ينطلق من الواقع، ويُخضع النص له.
الأول يصنع إصلاحًا، والثاني يكرّس الانحراف.
وفي المجال الدستوري، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح.
كم من نصوص دستورية كُتبت لحماية الدولة، ثم استُخدمت في ظروف مختلفة فأصبحت سببًا في تعطيلها؟
وكم من قرارات اتُّخذت تحت عنوان “الضرورة” في لحظة أزمة، ثم تحولت إلى قاعدة دائمة أضعفت المؤسسات بدل أن تحميها؟
هنا تظهر خطورة إغفال فقه الواقع:
أن تتحول الاستثناءات إلى قواعد، وأن يُدار الحاضر بعقل الماضي، أو تُفرض حلول بيئة مستقرة على واقع مضطرب.
السؤال الفلسفي العميق في كل هذا ليس بسيطًا:
هل نحن نغير الحكم لأن الواقع تغير؟
أم أننا نفهم الحكم بطريقة أعمق لأن الواقع كشف لنا أبعادًا لم نكن نراها؟
والإجابة الدقيقة:
النص في أصوله ثابت، لكن فهمه وتنزيله متغير.
ومن يخلط بين الاثنين، إما أن يجمد الواقع، أو يميع النص.
الخلاصة أن فقه الواقع ليس خيارًا، بل ضرورة.
لكنه في الوقت نفسه اختبار صعب: لأنه يضع المفتي والقانوني أمام مسؤولية مزدوجة، أن يكون أمينًا للنص، وبصيرًا بالواقع.
ومن ينجح في هذه المعادلة، لا يصدر حكمًا فقط، بل يصنع توازنًا.
ومن يفشل فيها، قد يملك النص لكنه يفقد القدرة على توجيه الواقع.
وفي لحظات الأزمات، لا تُقاس قيمة الأحكام بمدى دقتها النظرية، بل بقدرتها على منع الانهيار، وتحقيق المصلحة، وتقليل الخسائر.
وهنا فقط، يتحول الفقه الشرعي، والفهم القانوني، من معرفة، إلى مسؤولية.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الأحد ١٢ ابريل ٢٠٢٦م