آخر تحديث :الأحد-12 أبريل 2026-10:27م

قرار البنك المركزي رقم (7) لعام 2026 وأثره على الاستقرار النقدي والأمني في المحافظات المحررة

السبت - 11 أبريل 2026 - الساعة 11:03 م
د محمد علي مارم

بقلم: د محمد علي مارم
- ارشيف الكاتب


يشكّل قرار البنك المركزي اليمني رقم (7) لعام 2026، القاضي برفع الحد الأدنى للفائدة على الودائع بالعملة المحلية، بالتوازي مع تحرير أسعار الفائدة على العملات الأجنبية والقروض، تحوّلًا واضحًا نحو تشديد السياسة النقدية، في محاولة لاحتواء اختلالات عميقة تعاني منها البيئة الاقتصادية والنقدية في البلاد.


فمن حيث المضمون، استهدف القرار تعزيز جاذبية العملة المحلية عبر رفع العائد عليها، بما يسهم في امتصاص السيولة المتداولة خارج الجهاز المصرفي، والحد من ظاهرة الدولرة المتنامية. وفي المقابل، أتاح تحرير أسعار الفائدة على العملات الأجنبية والقروض للبنوك التجارية مساحة أوسع للتحرك وفق آليات السوق، بما يعزز قدرتها على جذب النقد الأجنبي وتنشيط المنافسة بينها، وإن كان ذلك على حساب ارتفاع تكلفة التمويل، واتساع التباينات بين المؤسسات المصرفية. ويظل هذا الجانب تحديدًا من صميم مسؤوليات البنك المركزي، بوصفه الجهة المناط بها ضبط إيقاع السياسة النقدية، وهي مسؤولية لا ينبغي تفويضها أو تركها بالكامل لقوى السوق دون أطر حاكمة.


وفي السياق الأوسع، لا يمكن قراءة هذا التوجه بمعزل عن الاختلالات الهيكلية المتراكمة، إذ تشير التقديرات إلى أن الكتلة النقدية المطبوعة منذ عام 2015 قد تجاوزت ما بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف المستوى الطبيعي للاقتصاد، الذي كان يُقدّر قبل ذلك بنحو 800 مليار إلى 1.2 تريليون ريال. وقد أدى هذا التوسع النقدي غير المتكافئ مع النشاط الاقتصادي الحقيقي إلى تغذية التضخم، وإضعاف القوة الشرائية، وتقويض فعالية الأدوات التقليدية للسياسة النقدية.


ورغم ذلك، فإن أزمة السيولة الراهنة لا تعكس نقصًا مطلقًا في النقد، بقدر ما تكشف عن خلل عميق في توزيعه الجغرافي وكفاءة إدارته. فجزء كبير من السيولة يظل محتجزًا في المحافظات المنتجة للنفط والغاز، حيث تحتفظ هذه المحافظات بإيراداتها في فروع البنك المركزي المحلية، دون توريدها إلى المركز في عدن، تحت مبررات أمنية تتعلق بصعوبة تأمين نقل الأموال. وقد أفضى ذلك إلى تركز السيولة في تلك المناطق، مقابل شحّ حاد في محافظات أخرى، الأمر الذي انعكس سلبًا على قدرة البنك المركزي على الوفاء بالتزاماته الأساسية، وفي مقدمتها صرف الرواتب.


ويتعاظم هذا الاختلال في ظل ضعف التكامل الاقتصادي الداخلي، إذ لا تعتمد المحافظات النفطية بشكل كافٍ على أسواق عدن لتلبية احتياجاتها، ما يحدّ من تدفق السيولة العكسية عبر القنوات التجارية. وفي المقابل، ورغم قدرة التجار في محافظات عدن وأبين ولحج والضالع على إيداع أموالهم في البنك المركزي بعدن، إلا أن غياب دورة نقدية متكاملة ومتوازنة يُبقي الخلل قائمًا.


كما أن واقع الانقسام النقدي ووجود سلطة نقدية موازية في شمال اليمن قد أسهم في تعميق الفجوة، حيث يتم التعامل بأسعار صرف مختلفة للعملة ذاتها، في ظل استمرار التبادل التجاري – لا سيما في السلع الأساسية كاللحوم والخضروات والفواكه وبعض الحبوب – بين الشمال والجنوب. ويؤدي هذا النمط من التبادل إلى استنزاف السيولة من المحافظات المحررة دون وجود آليات فاعلة لإعادتها، سواء عبر صادرات مقابلة أو تدفقات نقدية عكسية، ما يجعل هذه العملية أقرب إلى “تسرب نقدي مستمر” يُشبه في أثره الثقب الأسود الذي يبتلع السيولة دون عودة.


أما على صعيد العملة الأجنبية، فإن التوجه نحو تحرير كامل لأسعار الفائدة، في غياب أطر تنظيمية ورقابية صارمة، ينطوي على مخاطر تتجاوز الجانب النقدي لتطال الاستقرار العام. فترك تحديد أسعار الفائدة للبنوك بشكل مطلق قد يفتح المجال أمام تدفقات مالية كبيرة خارج نطاق الرقابة الفعالة، خاصة عبر بعض البنوك الناشئة أو شركات الصرافة، بما قد يتيح توجيه هذه الأموال نحو أنشطة غير منضبطة، بما في ذلك تمويل تحركات سياسية أو مجتمعية قد تفضي إلى زعزعة الاستقرار الأمني والاجتماعي.


وعليه، يمكن النظر إلى القرار بوصفه أداة علاجية قصيرة الأجل، تستهدف امتصاص السيولة واستعادة قدر من التوازن النقدي، إلا أن آثاره تظل مزدوجة. فمن الناحية الإيجابية، قد يسهم في تعزيز الادخار بالعملة المحلية، والحد من الدولرة، وتحسين قدرة البنوك على جذب الودائع، خاصة بالعملات الأجنبية. أما من الناحية السلبية، فقد يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الائتمان، وتباطؤ النشاط الاقتصادي، واتساع الفجوة بين المناطق من حيث توفر السيولة، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بضعف الرقابة على التدفقات المالية.


لذلك، تبقى فاعلية هذا القرار مرهونة بمعالجة الاختلالات الهيكلية الأعمق، وفي مقدمتها إعادة توزيع السيولة جغرافيًا، وتعزيز كفاءة إدارتها، وتفعيل أدوات الرقابة على حركة الأموال واتجاهاتها، واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي. وفي غياب هذه المرتكزات، قد تتحول السياسة النقدية المتشددة من أداة للاستقرار إلى عامل ضغط إضافي يقيّد النمو الاقتصادي دون أن يحقق الاستقرار النقدي والأمني المنشود.


أ. د. محمد علي مارم

أستاذ العلوم المالية والمصرفية