ننظر إلى وجوه العابرين فنرى ابتسامةً واسعة، أو بيتًا أنيقًا، أو منصبًا مرموقًا، فنظن أن الدنيا قد أعطتهم صفوها بلا كدر. نُحدّق في صور الراحة التي يعلّقونها على جدران حياتهم، وننسى أن خلف كل جدار قصة لا تُروى، ووجعًا لا يُصوَّر.
- الظاهر خدّاع بطبعه
الراحة التي تراها بعينك هي "اللقطة الأخيرة" من فيلم طويل. أنت لم تشهد مشاهد السهر، ولا ليالي القلق، ولا الخسارات التي دفعوها ثمنًا لما وصلوا إليه. بعض الناس يتقن فن إخفاء الجرح ويمشي بيننا مبتسمًا، لا لأن الألم غائب، بل لأنه قرر ألا يشاركه أحد.
- الابتلاء لا يستأذن ولا يُعلن
من سنن الحياة أن البلاء موزّع بعدلٍ لا ندركه. هذا مُبتلى في ماله، وذاك في صحته، وثالث في ولده، ورابع في قلبه. الفرق أن بعض الابتلاءات تصرخ فنسمعها، وبعضها الآخر يسكن الصدور بصمت. فلا تزن أقدار الناس بميزان ما تراه، لأن ما خفي أعظم مما ظهر.
- الحسد يُتعب صاحبه قبل أن يضر غيره
حين تحسد، فأنت تُحمّل قلبك همًّا فوق همّك. تنشغل بنعمة غيرك عن السعي لنعمتك. والحقيقة أنك لو كُشف لك الغيب وطُلب منك أن تختار بين ابتلائك وابتلاء من تحسده، لاخترت قدرك ألف مرة. لأنك تعرف كيف تتعايش مع وجعك، لكنك لا تعلم طعم وجعهم.
- ماذا نفعل بدل الحسد؟
احمد الله على المحجوب عنك: ربما صرف الله عنك بلاءً لا تطيقه براحةٍ أعطاها لغيرك.
ادعُ بالبركة: قل "اللهم بارك لهم وارزقني". الدعاء يغسل القلب ويفتح أبواب الرزق.
انظر لنعمك الكاملة: قارن نفسك اليوم بنفسك أمس، لا بنفسك بغيرك. ستجد أن لديك "راحة ظاهرة" يحسدك عليها آخرون.
تذكّر أن الدنيا دار عبور: لا تكتمل لأحد. لو كملت لغيرك لما جعلها الله دار ابتلاء، ولو خلت من الألم لما اشتاق الناس للجنة.
الخلاصة
كلنا مبتلون، لكن الابتلاءات تختلف في الشكل والتوقيت. فلا تغرّنك ضحكة في صورة، ولا سيارة فارهة، ولا سفرٌ متكرر. خلف الستار حكايات لا يعلمها إلا الله وأصحابها.
فاسأل الله أن يديم على الناس ستره، وأن يرزقك الرضا. فالرضا هو الراحة الحقيقية التي لا تُرى، لكنها تُشعِر.
قال أحد الصالحين: "لو اطّلع الناس على ما في قلوب بعضهم، لما تحاسدوا إلا على حسن الخلق".
فخفف عن قلبك، ودع الخلق للخالق.