زَعَموا لي أن ثمّة نبيًّا في الضالع، قبرهُ أعجوبة وألمعوا أنّه (أيوب) الإسرائيلي عليه السلام، ذات مساء بعد نشوة وبيدي رواية "الغادرة"، عصرئذٍ كتبت في سياقٍ لا أظنه آثمًا وبُحْتُ:
لو كان نبيٌّ في الضالع لكان (العَوديّ)
وأعني الدكتور محمد مسعد، فكادوا علي لُبدًا وسفَّهوا قولي! مع أني استخدمت (لو) وحاججتُ بأنها "معلّقة في الجوّ" ، تلك الأداة التي تمنع الوقوع وتعلِّق الجواب في فضاء الاستحالة. فلا فاطمة بنت محمد رضي الله عنها سرقت، وحاشاها في قول رسول الله: " لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"، ولا حبيبنا العوديّ ادّعى القيادة، مع أنّي أشكُّ لو جهر بدعوته الفكرية لوجد أتباعًا له ومريدين، وبالتأكيد لست منهم... لكنني أوّلهم تصديقًا وايمانا.
الحقُّ أقول: الدكتور محمد مسعد العودي، ليس نبيّاً بالمعنى اللاهوتي، لكنه "راءٍ" في مملكته الروائية، إذ الكاتب يغدو كائنًا"رؤيويًا" يستشرف ما وراء الحُجب، تمامًا كما كان الشعراء عند العرب قديمًا بمنزلة الأنبياء في قبائلهم، وكما نَظَر الرومانسيون أمثال "وليم بليك" و"وردزورث" للشاعر باعتباره معلمًا ومبشِّرًا بوعيٍ سامٍ يتجاوز المعتاد.
إن القراءة للعوديِّ مغامرةٌ محفوفة بالخطر؛ خطرِ ألا تعود كما كنت أبداً. فنصوصه ليست حكاياتٍ عابرة للتسلية، بل هي "مرايا" قاسية لا تريك إلا حقيقتك الكامنة التي كنت تجهلها، هي شرحٌ لذاتك المجهولة في مرايا لا ترينا إلا ما نحن عليه على نحوٍ كامن. إنها تجربة معرفية تشبه "تذوق ثمرة شجرة المعرفة" في سِفْر التكوين؛ حيث يولد الوعي من رحم الذنب "البروميثي". فكل اختراقٍ للمألوف هو "سرقة للنار" واعتداءٌ على سكون الآلهة، مما يمنح المبدع امتدادًا يفصله عن معاصريه، ويحكم عليه بـ"قلق الوحدة"، ذلك الانتقام اللذيذ الذي يجعله مكبَّلاً على صخور الخلود الإبداعي، نبذه المادِّيُّون واحتضنه الخالدون.
يقفُ العوديُّ اليوم، متأثراً بمدرستي أحمد الهمداني والمقالح، ليصهر منهما مدرسة "محمد مسعد العودي" الخاصة، المتربّعة على عرش الإبداع، إنه الوعي المدرِك الذي سبقت تجلِّياته وجوده الماديَّ، كما باح ذات يوم في تجلّياته، قد لا نثق بالفتنة، وقد نخشى خبث الكلام الجميل، لكننا ندرك يقينًا أن هذا "النبيَّ الضالعيَّ" قد أعاد للأدب هيبته الرؤيوية، فاتحًا أبواب المستقبل أمام قرّاءٍ عليهم أن يهبوا نصوصه جزءاً من حياتهم، أو حياتهم كلها، ليدركوا معنى أن يكون الأدبُ دينًا للوعي، والروائيُّ حارسًا أمينًا على بوّابات الغيب
وتتجلّى "جرائم العودي" الأدبية في تلك القدرة المرعبة على استراق السمع من الغد، فروايته "الغادرة" لم تكن مجرد نص، بل كانت "فلق صبحٍ" كشف عن أحداثٍ لم تكن قد وقعت بعد؛ من زلزال الربيع العربي العربي، إلى صعود الحوثيين، وبطولات الحراك الشعبي الجنوبي، وصولاً إلى رمزية "علي عنتر" ومصرع "عفاش". إنها نبوءاتٌ روائية لا تعتمد الخوارق، بل تقوم على قراءةٍ دقيقة لجينات التاريخ وتحولات الوعي البشري، إن كل رواية له هي "جنايةٌ" تسلبُ من الواقع ستره، وتمسرح المستقبل قبل أن تطأه أقدام البشر، حتى ليخيل إليك أن القرن العشرين قد دُفن بين يديه ليؤرّخ به للرواية اليمنية من جديد.
وفي زمنٍ يتوهم فيه البعض أن "سِحر البلاغة" قد ولّى بانتصار المادية، يأتي بيان العودي ليؤكد أن "من البيان لسحراً". وإذا كانت البلاغة السياسية -كما في تجربة العم ترامب، قد استطاعت صناعة "كاريزما" زائفة من أجل المصالح، فإن بلاغة العودي هي "معجزةٌ غنوصية" حقيقية، إنها تنزع الهالة عن الزيف لتهبها للروح؛ فبينما يشيخ الخلفاء/ الزعماء وتُسمل أعينهم ويتحولون إلى مثيرين للشفقة بعد زوال السلطة والمصالح، يظل "التمثال البرونزي الحميري" للعودي شامخًا في قلب الضالع، مطلع القرن القادم لا يستدرُّ عطفًا بل يفرض سطوة الجمال والمعرفة، كيف لا وهو المتربِّع على عرش السرد اليمني بمنجزه السردي الفريد غير كتبه ودراساته .. وآن الأوان لليمن والضالع خاصة أن تنتبه لصاحب الفتن الإبداعية والجرائم الفنية ( مسعد العودي).
يتبع بإذن الله ( فتن العودي وجرائمه)
مجيب الرحمن الوصابي