اتذكر قبل عدة سنوات عندما كنت اكتب حول موضوع الخلافات الامريكية الايرانية ، وكنت أتوصل إلى عدة نتائج حول هذا الموضوع ، وكان من أهم تلك النتائج حتمية الصراع بين أمريكا والنظام الايراني ، وكان الكثير من القراء والسياسيين يعلقون على كلامي بشيء من السخرية ، ويقولون بأن ما يحدث هو عبارة عن مسرحية متفق عليها بين الطرفين ، وأن هناك علاقة بين الطرفين وتعاون من تحت الطاولة ، وأن ما يجري هو عبارة عن استهلاك اعلامي بهدف استغلال دول الخليج العربي ، وها هي اليوم تتحقق تلك النتيجة أمام سمعنا وبصرنا ، حرب مدمرة استخدمت فيها احدث الاسلحة من طيران حربي وصواريخ وطيران مسير وغيرها ، وها هي امريكا واسرائيل تدمر خلال 40 يوم الكثير من المنجزات والمشاريع التي بناها النظام الايراني خلال 47 عام ، وها هي امريكا تسيطر على المجال الجوي الايراني وتدمر القوة البحرية الايرانية التي كان يتفاخر بها النظام الايراني ، وتعطل المفاعلات النووية وتدمر الكثير من مشاريع التصنيع العسكري ، وتعيد ايران عشرات السنين الى الوراء ..!!
وواهم من يظن بأن أمريكا ومن بعدها اسرائيل يمكن أن تقتنعا بما حققتاه من دمار وخراب في ايران خلال هذه المعركة ، فما حدث هو عبارة عن مرحلة من مراحل متعددة ، كان أولها حرب ال12 يوم والتي عطلت المفاعلات النووية ، والحرب التي عشناها خلال الابام الماضية هي المرحلة الثانية والتي حققت امريكا واسرائيل منها تدمير الصناعات العسكرية الايرانية بشكل كبير ، وخصوصا صناعة الصواريخ والطيران المسير ، وقتلت خلالها الكثير من قيادات النظام الايراني وفي مقدمتهم المرشد الايراني علي خامنئي ، في عملية استخبارتية هي الاقوى في تاريخ الحروب البشرية ، وما موافقة امريكا على وقف الحرب والتفاوض مع النظام الايراني إلا استراحة محارب ، للاعداد والتجهيز للمرحلة الثالثة والتي قد تكون هي الاخيرة ، والتي لن تتوقف إلا باسقاط النظام الايراني وتغييره ، سواء في الجولة القادمة او التي تليها ، او عبر دعم ثورة شعبية او انقلاب عسكري او حصار اقتصادي وغيرها ..!!
المهم ان امريكا ومن بعدها اسرائيل قد اتخذتا قرار اسقاط وتغيير النظام الايراني ، قد يستغرق ذلك وقتا ، فالنظام الايراني ليس بالنظام السهل فهو يتمتع بالعديد من مقومات الصمود والاستمرارية ، فهو يمتلك جغراقيا واسعة ، ويقوم على ايديولوجيا دينية متشددة ، ويمتلك قوى خارجية موالية له وتدين له بالولاء والطاعة والتبعية كحزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق وغيرها ، كما انه يمالك تحالفات خارجية مع الصين وروسيا ، كل تلك المقومات جعلت امريكا واسرائيل تستخدم استراتيجية الحرب على مراحل ، وصولا الى تحقيق هدفها النهائي وهو اسقاط وتغيير نظام الولي الفقية الحاكم في ايران منذ العام 1979م ، وتتميز العقلية العسكرية والسياسية الامريكية بالتكتيك والتخطيط الاستراتيجي الطويل الامد ، فتراها تتفذ سياساتها وتحقق اهدافها بدون عجلة في أمرها ، بل انها تتمتع وهي تحاصر عدوها وتقضي عليه بالتدريج ، كالقطة التي تلعب بالفأر قبل القضاء عليه والتهامه ، لكنها في المحصلة النهائية تصل إلى هدفها بأقل الخسائر الممكنة ، وهو ما يوصلنا إلى نتيجة مهمة جدا وهي حتمية تغيير النظام الايراني القائم اليوم ، قد لا تعجب هذه النتيجة بعض من يقرأون المشهد بعواطفهم واتفعالاتهم وليس بعقولهم ، وهذا ليس بجديد فالنتيجة السابقة التي وصلنا اليها سابقا والتي قلنا فيها بحتمية الصراع الامريكي الايراني لم تعجب الكثير ، ممن ينظرون إلى المشاهد السياسية نظرة قاصرة ومجتزأة او من يقرأونها بعواطفهم وانفعالاتهم ، والتي تجعلهم يعيشون انتصارات غير حقيقة ، وواقعا خياليا بعيدا عن ارض الواقع ، ما يجعلهم يعيشون صدمات متتالية تدمر خيالاتهم واحلامهم الوردية ..!!
ولن ابالغ اذا قلت بأن ما يعيشه العالم العربي والاسلامي من انتكاسات وفشل وتراجع في كل المحالات ، هو النتيجة الطبيعية لقراءة الاحداث والوقائع بعواطفهم وانفعالاتهم ، وعدم قراءتها بالعقل والمنطق حتى لو كانت قاسية ومؤلمة ، فالعيش في الواقع ومواجهة سلبياته وانتكاساته وهزائمه ، قد تدفع بهذه المجتمعات إلى العمل على تجاوزها مستقبلا ، لكن العيش في خيالات واوهام النصر المزعوم ، يجعل تلك المجتمعات تستمر في سباتها وركودها وتخلفها وعجزها ، فليس من العيب ان تتلقى المجتمعات الانتكاسات والهزائم في مراحل مختلفة من تاريخها ، وليس من العيب الاعتراف بها بهدف دراستها والبحث عن اسبابها حتى لا تتكرر في مراحل قادمة ، والعيب كل العيب هو عدم الاعتراف بها وللظهور بمظهر المنتصر ، في محاولة لتزييف وعي المجتمع ، والتغطية على سؤة الانظمة السياسية الحاكمة ، والتغطية على انتكاساتها وهزائمها ، فالنظام الايراني عليه الاعتراف بالضربات الموجعة والمؤلمة التي تلقاها خلال الهجوم الامريكي الاسرائيلي ، ومكاشفة الشعب الايراني بالحقيقة حتى لو كانت مؤلمة وموجعة ، وعلى هذا النظام بشكله القائم اليوم ادراك بأن تغييره واسقاطه أمر حتمي ، وهو ما يتطلب منه احداث تغيير داخلي عبر ارادة داخلية يشارك فيها الشعب الايراني ، افضل من ان يتم تغييره من قوى خارجية بالقوة والاكراه والعنف ، وهنا تكمن الحكمة والعقل لانقاذ مقدرات وامكانيات الشعب الايراني واخراجه من دائرة الاستهداف والخراب والدمار ، والعيش مثل بقية شعوب العالم في أمن وأمان واستقرار ، وعلى قيادات هذا النظام ان يدركوا انهم لم يجنوا من الايديولوجيا التي يعملون بها غير الحروب والصراعات والعداوات والخراب والدمار ..!!