كانت الحروب القديمة صادقة في قبحها؛ تبدأ بسبب ناقة أو ماء أو كبرياء، وتنتهي حين يمل المتحاربون أو يفنى أحدهم. لم تكن هناك مؤتمرات صحفية تتحدث عن "القلق العميق"، ولا بيانات رسمية تبدأ بالأسف على الخسائر البشرية وتنتهي بصفقات سلاح جديدة.
في تلك الأزمنة، لم يكن أحد يكذب على نفسه. القتل كان قتل، والغزو غزو، والمنتصر لا يعتذر، والمهزوم لا ينتظر تعويضا من صندوق دولي لإعادة الإعمار. كانت الحروب بدائية… لكنها، على نحو ما، أكثر صدقًا.
حتى في كتب التاريخ، وفي الأساطير والحكايات — من داحس والغبراء إلى غيرها — لم تكن الحروب تتخفى خلف شعارات أخلاقية. كانت تقوم على المصالح، وتخاض لأجلها، دون ادعاء شيء آخر.
ثم بعد الحرب العالمية الثانية… حدث تحول غريب.
فجأة، قرر المنتصرون إقرار السلام، ووضع القوانين: القانون الدولي، وقانون البحار، واتفاقيات جنيف، واتفاقيات أسرى الحرب. وكأن العالم قرر أن ينظم الحرب بدل أن ينهيها.
صار بإمكانك أن تقتل… ولكن بطريقة قانونية.
أن تدمر… وفق المعايير.
أن تمحو مدينة… ثم تعبر عن أسفك العميق في بيان رسمي.
وفي الوقت نفسه، استمر تطوير الترسانات، وابتكار المزيد من الأسلحة — من الكيماوية والجرثومية إلى ما يسمى بالأسلحة "النظيفة" التي تقتل الإنسان دون أن تمس الجماد. كل ذلك، مع حرص معلن على تجنب حرب عالمية ثالثة.
لكن ليس احترامًا لحياة البشر، ولا تقديسًا للإنسان — رغم التمني الخفي بفناء العدو بكل ما يملك — بل مراعاة لشيء آخر: الاقتصاد العالمي.
قد يموت الآلاف، ولا يهم.. قد تعدل الأرقام، وتخفف الخسائر في التقارير.. قد يعاد تعريف الضحايا بلغة باردة.
لا يهم عدد القتلى.. المهم أن تظل عجلة الاقتصاد دائرة.
لا يهم الدمار.. ما دامت الشاشات مستقرة.
المهم… الأرقام.. لكن ليس أرقام الضحايا، بل أرقام البورصة.
لم يعد الاقتصاد مجرد أداة… بل صار شبيها بإله خفي؛ لا يذكر اسمه في الخطب، ولا ترفع له الصلوات، لكنه حاضر في كل قرار. في كل هدنة. في كل حرب لم تقع بعد.
في عالم كهذا، لم تؤجل الحروب لأن الإنسان أصبح مقدسًا، أو لأن الدم صار محرمًا.
لم يتغير شيء في ضمير العالم.
لكن هناك ما هو أغلى من كل ذلك.
أغلى من الإنسان.
أغلى من المدن.
أغلى حتى من فكرة النصر نفسها.
الاقتصاد.
يمكن احتواء الكوارث، وتبريرها، وإعادة صياغتها في تقارير أنيقة.
لكن ما لا يمكن احتماله حقًا…
هو أن يختل توازن هذا الإله.
أن يتحول لونه من الأخضر إلى الأحمر.
حينها فقط سيعرف العالم معنى الكارثة.