ما تشهده عدن ليس حدثًا أمنيًا عابرًا يمكن اختزاله في توصيفات سريعة من قبيل “شغب” أو “توتر سياسي”. المدينة التي تُوصف بالعاصمة المؤقتة تمثل في الواقع عقدة الشرعية السياسية، ومركز الثقل الأمني، وممر الإيرادات غير النفطية، وبوابة العلاقة مع الخارج.
وفي مثل هذه المدن، لا تكون الاضطرابات مجرد انفجار غضب شعبي، بل تعكس—في كثير من الأحيان—إعادة ترتيب داخل بنية الحكم نفسها.
وبهذا المعنى، فإن ما يجري في عدن لا يمكن قراءته كأزمة عابرة، بل كعملية إعادة تشكيل داخل سلطة لم تُحسم مراكزها بعد.
أولًا: عدن وازدواجية المؤسسات
المشكلة في عدن لم تعد مجرد تباين في المواقف السياسية تحت مظلة ائتلافية واحدة، بل تحولت إلى ازدواجية مؤسسية واضحة المعالم. ففي مدينة يُفترض أنها تمثل العاصمة المؤقتة للدولة، تتجاور بنيتان للقرار وتتداخل مسارات التأثير دون مرجعية حاكمة، وتتقاطع منظومتان للأمن والإدارة والجباية.
هذا الواقع لا يمكن وصفه بتعدد سياسي صحي، بل يعكس خللًا بنيويًا عميقًا. فحين تتوزع أدوات الإكراه، وتتعدد مراكز القرار، وتغيب المرجعية المؤسسية الموحدة، تتحول الدولة من إطار جامع إلى “سلطة تفاوضية”: أي بنية حكم تقوم على توازنات مستمرة بين قوى متوازية، لا على احتكار مؤسسي للقرار.
في هذا الإطار، لا تكون الأزمة فشلًا في الإدارة، بل تعبيرًا عن غياب الدولة ككيان موحّد.
والنتيجة ليست فقط توترًا سياسيًا، بل هشاشة مؤسسية تجعل أي أزمة خدمية أو مالية قابلة للتحول إلى صراع مفتوح.
ثانيًا: من أزمة خدمات إلى صراع موارد
في السياقات المستقرة، يُفهم تدهور الكهرباء أو تأخر الرواتب باعتباره فشلًا إداريًا أو ماليًا. أما في بيئة تعيش ازدواجية سلطة، فإن الخدمات لا تبقى خارج السياسة، بل تتحول إلى جزء من معادلة التنافس.
عندما تتقاطع مصالح الفاعلين حول الإيرادات والقرار، تتحول الموارد العامة إلى أداة لإعادة تثبيت المواقع داخل هيكل الحكم. وفي ظل التنافس على الإيرادات السيادية—خصوصًا الجمارك والموانئ—لم تعد الموارد تؤدي وظيفة مالية فقط، بل أصبحت وسيلة لإعادة توزيع القوة داخل المدينة.
في هذا السياق، لا يُعاد توجيه الغضب الشعبي نحو إصلاح البنية المؤسسية، بل يُعاد توظيفه ضمن توازنات الصراع.
وهنا تظهر مفارقة لافتة:
يتحول المواطن من متضرر من الأزمة إلى عنصر ضغط داخل معادلة لا يتحكم بها.
ومع استمرار هذا النمط، يصبح الاختناق الخدمي أداة ضمنية لإعادة ترتيب العلاقات بين الأطراف الفاعلة.
ثالثًا: اقتصاد المدينة وإعادة توزيع السيطرة
في المدن التي تعمل ضمن بنية حكم هشة، لا يُدار الاقتصاد بوصفه نشاطًا إنتاجيًا محايدًا، بل كامتداد مباشر لتوازنات القوة. وعدن، بوصفها مركزًا حضريًا يتركز فيه النشاط التجاري والخدمي، تمثل نموذجًا واضحًا لهذا النمط.
تتجه السيطرة في مثل هذه البيئات نحو مفاصل الاقتصاد الأكثر سيولة: الموانئ، الجمارك، الأراضي، والخدمات المرتبطة بالتراخيص والجباية. ومع غياب مرجعية موحدة، تتحول هذه القطاعات من موارد عامة إلى مجالات توزيع غير متكافئ للعوائد.
في هذا الإطار، لا يعود التنافس على السلطة منفصلًا عن الاقتصاد، بل يصبح الاقتصاد نفسه ساحة لإعادة ترتيب المواقع داخل هيكل الحكم. فكل موقع إداري أو أمني يرتبط—بشكل مباشر أو غير مباشر—بإمكانية الوصول إلى مورد مالي أو التحكم في تدفق اقتصادي.
وبمرور الوقت، تتشكل داخل المدينة خرائط غير رسمية للسيطرة الاقتصادية، حيث تتداخل الوظيفة العامة مع الامتيازات، ويتحول الموقع الإداري إلى مدخل للتحكم في السوق.
النتيجة لا تقتصر على تشظي السلطة، بل تمتد إلى تشظي الاقتصاد ذاته؛ حيث تعمل القطاعات المختلفة وفق منطق غير موحد، بما يضعف الكفاءة العامة، ويحدّ من نشوء بيئة تنافسية سليمة.
رابعًا: الاقتصاد كمدخل للفهم
من منظور اقتصاد الحرب، كلما غابت البنية المؤسسية الموحدة لإدارة الإيرادات والأمن، برزت مراكز فاعلة تتصرف باعتبارها ضامنًا ذاتيًا لمصالحها.
في هذا السياق، لا يكون التصعيد مجرد رد فعل سياسي، بل أداة لإعادة تثبيت المواقع داخل معادلة الحكم، خصوصًا في ظل التنافس على الموارد الحيوية كإيرادات الموانئ والجمارك، التي تمثل العمود الفقري للمالية العامة في المدينة.
الخطورة لا تكمن في الاحتجاجات ذاتها، بل في ترسيخ نموذج “السلطة الموازية” كواقع دائم، بما يحول الانقسام من حالة مؤقتة إلى بنية مستقرة يصعب تفكيكها.
خاتمة: السؤال الحقيقي الذي تطرحه عدن
عدن اليوم لا تختبر فقط قدرة السلطات على توفير الكهرباء أو دفع الرواتب، بل تختبر قدرتها على حسم مسألة من يحتكر أدوات الدولة داخل مدينة واحدة.
فمن دون توحيد القرار الأمني والإيرادي، ستبقى المدينة عرضة لدورات متكررة من التوتر، وسيبقى أي تحسن خدمي مؤقتًا وهشًا.
المشكلة ليست في احتجاجات عابرة، بل في نموذج حكم لم يُحسم بعد.
ولهذا، فإن ما يجري في عدن ليس مجرد أزمة إدارة، بل أزمة بنية:
أزمة دولة لم تكتمل مؤسساتها، ولم تُحسم مرجعيتها، وتعمل كـ“سلطة تفاوضية” مفتوحة على احتمالات الصراع أكثر من الاستقرار.