آخر تحديث :الإثنين-06 أبريل 2026-10:28م

الإختراق الإيراني وبواباته ..

الإثنين - 06 أبريل 2026 - الساعة 09:00 م
د. محمد بن موسى العامري

بقلم: د. محمد بن موسى العامري
- ارشيف الكاتب


خاص_ د.محمد بن موسى العامري

رئيس اتحاد الرشاد اليمني


من الأهمية بمكان ،وفي ضوء الأحداث الجارية وعدوان إيران على جيرانها أن نتوقف عند بوابات الإختراق الشيعي الإيراني لمجتمعات المسلمين:

- أهل السنة- كجزء من استراتيجية تصدير الثورة الخمينية العابرة للحدود ويمكن الإشارة هنا إلى أهم هذه البوابات ومنها :-


أولاً :- بوابة القضية الفلسطينية .


نظراً لمركزية القضية الفلسطينية لدى عموم العرب والمسلمين فقد عملت الاستراتيجية الايرانية بعد قيام الثورة الخمينية عام 1979م على السعي لاختطاف هذه القضية من محيطها العربي السني وأدركت طهران - مبكراً - أنها البوابة الأوسع لاختراق الوجدان العربي والاسلامي فرفعت شعارات تحرير القدس واعلان العداء لأمريكا وإسرائيل متجاوزة حواجز المذهبية الشيعية وقوميتها الفارسية والأذرية لكسب تعاطف التيارات القومية واليسارية والإسلامية واستخدمت قضية فلسطين قنطرة للتمدد خارج حدودها وجعلها ورقة سياسية بيدها وبوابة للنفوذ السياسي وفقاً لمحطات متعددة ومنها :-


1- يوم القدس العالمي :-


في أغسطس عام 1979 م رمضان 1399 هـ أعلن الخميني عن تخصيص الجمعة الأخيرة من رمضان يوماً عالمياً للقدس لجعلها رمزية مشتركة بين المسلمين عموماً - سنة وشيعة - وهي خدعة ذكية واستراتيجية سمحت لإيران كأقلية شيعية بتسويق نفسها كقائدة لتحرير القدس وفلسطين مع ربط ذلك بمركزية القرار في طهران ومن حينها توجهت الانظار الى طهران لدى المخدوعين بثورة الخميني وأصبح يوم القدس واجباً مقدساً وأداة سنوية للتعبئة العامة ضد مصطلح الاستكبار العالمي - امريكا واسررائيل - وللضغط على الأنظمة العربية الحاكمة المتهمة بالتطبيع أو التقاعس عن نصرة القضية الفلسطينية .


2- فيلق القدس :-


وعلى ذات المسار قام الحرس الثوري الإيراني بتأسيس وحدات عسكرية تحت مسمى ( فيلق القدس) لصبغ ذلك بصبغة دينية ترمز إلى تحرير القدس من جهة ولمنح هذه الوحدات التدخل خارجياً تحت مبررات تحرير القدس من جهة أخرى وأدار الفيلق – بقيادة قاسم سليماني ثم خلفائه – شبكة تدريب وتأهيل لحركتي حماس والجهاد الإسلامي لاختراق العمق في قلب العالم السني وتقديم إيران كـنصيرة المستضعفين عوضاً عن الأنظمة العربية السنية المفككة وقد نجحت هذه الاستراتيجية جزئياً لتوسيع محور المقاومة ( إيران-سوريا-حزب الله-حماس-الحوثيين) ويصبح نموذجاً جذاباً لدى مجاميع من التوجهات الإسلامية المغيبة عن خداع الثورة الشيعية الخمينية .


3- محور المقاومة .


رسخت إيران في خطابها التعبوي - مستغلة غياب القيادة العربية - ما يسمى بمحور المقاومة وهو ما أوجد لها توسعاً وتمدداً شعبوياً لدى قطاع واسع في الشارع العربي والاسلامي المحبط من مواقف قياداته السياسية واستطاعت ايران أن توجد لها هالة اعلامية دعائية كدولة عظمى مقاومة ! في مواجهة إسرائيل مما دفع كثيراً من الشباب السني الى الاعجاب والافتتان بالنموذج التنظيمي الإيراني ومن خلال مايسمى بمحور المقاومة تجاوزت إيران الحواجز المذهبية والقومية وتبنت خطاباً ثورياً عاطفياً مكنها من التسلل إلى أدبيات عدد من التيارات القومية واليسارية والاسلامية .

وفي ضوء ما أطلق عليه محور المقاومة أدركت إيران أن نفوذها سوف يظل محصوراً لكونها أقلية شيعية لها معتقداتها المفارقة لعقيدة السواد الأعظم من المسلمين فعمدت إلى كسر هذه العزلة بالبحث عن موطئ قدم داخل العمق السني فقدمت دعماً وإسناداً مالياً وعسكرياً في غزة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي - رغم التباينات العقدية والفكرية - معتبرة نفسها ظهيرة للمقاومات السنية فقامت بامدادها مستغلة حالة الضعف العربي المائل الى التهدئة والعمل على خطوات تطبيعية مع المشروع الصههيوني وتجاوزت إيران هويتها الشيعية في الخطاب الاعلامي الخارجي وتبنت خطاباً ناعماً وثورياً كخطاب نصرة المستضعفين والوحدة الاسلامية والشيطان الأكبر - امريكا - ونحو ذلك من الخطابات المنمقة .

وعلى ضوء ذلك فرضت طهران رؤيتها لمفهوم محور المقاومة

باعتبارها قائدة له وقد أدخل هذا التوظيف حركات المقاومة الإسلامية السنية في أزمتين أساسيتين إحداهما مع عمقها العربي السني وثانيهما مع الجبهة الداخلية المتخوفة من مآلات تماهي قيادات في المقاومة مع المشروع الإيراني بسبب سعي إيران الحثيث إلى تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى أداة نفوذ مذهبي وورقة سياسية تستثمرها لبناء محورها الممتد من بيروت إلى صنعاء ولتعزيز شرعية نظامها بين الشعوب العربية والإسلامية.


4- المظلومية المشتركة .


ربطت إيران بين مظلومية ( أهل البيت ) تاريخياً ومظلومية ( الشعب الفلسطيني ) واقعياً لجعل هذا الربط الوجداني جسراً عاطفياً يعبر فوق الخلافات المذهبية ليصبح محور المقاومة هو التجسيد الحديث لنصرة المظلوم ضد الظلم وهو طرح أخلاقي في ظاهره مراوغ في باطنه ! يصعب رفضه منطقياً من قِبل الجماهير غير أن محصلة ذلك أن إيران لم تخترق أهل السنة بكتب الموروث الجعفري وإنما بسياسة سد الفراغات واستثمارها في القضايا المقدسة لدى عامة أهل السنة في وقت يعيش فيه النظام العربي الإقليمي حالة من الإسترخاء والانكفاء أو البحث عن تسويات بينما كانت القدس بالنسبة لإيران جواز السفر الذي سمح لها بعبور الحدود المذهبية والوصول إلى اختراقات فكرية وسياسية لفئات من أهل السنة .


ثانياً :- بوابة أهل البيت .


لانزاع عند أهل السنة والجماعة في محبة من ثبتت فضائله من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ويشمل ذلك أزواجه أمهات المؤمنين ومن صحبه من قرابته كعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم ، وأما من جاء بعدهم من المنتسبين إليهم فهم كسائر الناس متساوون يحب صالحهم ويوالى بحسب دينه وصلاحه ويبغض عاصيهم ويعادى بحسب انحرافه وفساده وهذا الأصل - عند أهل السنة والجماعة - ذو صلة بميزان العلم ، وليس عاطفة غير منضبطة لغرض الاستثمار السياسي أو المالي أو الاجتماعي كما فعلت الشيعة قديماً وحديثاً فجعلت من ذلك بوابة للتوظيف السياسي والتسلل الناعم لتمرير مشاريعها العقدية وأطماعها السياسية ومن ذلك :-

1 - توظيف المشترك بين أهل السنة والشيعة المتعلق بمظلومية مقتل الحسين - رضي الله عنه - ومن معه من أهل البيت في واقعة كربلاء واستدعاء هذه الرمزية بوصفها قضية مؤلمة في الوجدان السني وهي واقعة تاريخية تتعلق بأطرافها كشأن كثير من الوقائع التاريخية التي تحكى للاتعاظ والاعتبار غير أن هذه الواقعة قد تحولت سرديتها - لدى الشيعة - إلى سردية عابرة للأزمان وجعل منها الشيعة نموذجاً للصراع بين الحق والباطل عبر العصور وبنو على ذلك رؤية تشطيرية للأمة باسقاطها على الواقع السياسي فيستدرج الناس عاطفياً إلى التفاعل معها دون الوقوف على ملابساتها وحقائقها الثابتة ومحدداتها الشرعية فسحبت من سياقها التاريخي لجعلها منهجاً ثورياً وذكرى أليمة وبطولة دينية فلم تعد - في التصور الشيعي - مجرد رموز تاريخية لها مكانتها وإنما صارت شعارات وسلالات لثورات وحركات سياسية تقودها طهران.


2- تسييس مصطلح أهل البيت .


( مصطلح أهل البيت ) لايكتسب ولاءً سياسياً كما هو الشأن لدى عموم فئات الشيعة ومن تأثر بهم من المتصوفة وغيرهم وتحرير هذه المسألة من الناحية الشرعية من الأهمية بمكان بعيداً عن ردود الأفعال أو التوظيفات الخاطئة لها وهناك ملحظ ظاهر يتعلق بضعف التأصيل العلمي والتساهل حول تنقيح وتحقيق التراث المنقول حول أهل البيت ووجود حشو كثير وضعيف في الآثار الواردة وكثير منها مكذوب على على رضي الله في بعض كتب الآثار عند أهل السنة - ناهيك عن كتب الشيعة - معدن الكذب ومنبته - كما ذكر ذلك كثير من المحققين كابن تيمية وغيره وقد ذكر البخاري في مناقب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بعض الأحاديث ثم ختم ذلك بسنده إلى محمد بن سيرين - أحد أئمة الحديث من التابعين - ونقل رأيه أن عامة مايروى عن على- رضي الله عنه - من الآثار مكذوب عليه ومن خلال هشاشة عامة المرويات في أهل البيت مضافاً إلى ذلك التفسيرات الخاطئة للصحيح منها تم توظيف هذه العاطفة الوجدانية وتسلل الفكر الشيعي الى مجاميع تنتسب الى أهل السنة وتوجيهها لخدمة مشروع ايران السياسي وغني عن البيان أن معالجة ذلك علمياً ليس في ردود الأفعال أو العصبيات المقابلة أو نفي مصطلح أهل البيت أو محبة من ثبتت فضائلهم بالنصوص الصريحة بقدر ما هو في ضبط هذا المصطلح بميزانه الشرعي وربطه بمنهج العدل في الاسلام وليس بالشعارات والدعاوى والباب الذي دخل منه الخلل للاختراق هو الباب الذي يعالج به ضبطه بالعلم المحقق وتفسيراته الصحيحة وغربلة الغثائية في الآثار الواردة .


3- : توظيف طرق التصوف ونقابات الأشراف والمشجرات .


يعتمد المشروع الايراني على التنقيب حول القواسم المشتركة مع كثير من الطرق الصوفية ذات الولاءات العلوية وهي شرايح متعددة ومتواجدة في كثير من بلدان المسلمين يتقاطعون مع المشروع الشيعي في تقديس الولاية لأهل البيت - دون ميزان شرعي - وتقوم إيران عبر دبلوماسيتها الرسمية والشعبية بدعم روابط ونقابات الأشراف وبناء منظومة من العلاقات والتشبيكات مع الأسر والعائلات التي التي تتفاخر بنسبها العلوي من المنتسبين إلى السنة متأثرين بمداخل التشيع الساعية إلى التحشيد والترويج لمشجرات الأنساب العلوية وتوظيفها في صناعة ولاءات عابرة للحدود تتجاوز الإنتماءات الشرعية والوطنية لصالح الانتماء لمركزية طهران التي توظف مصطلح أهل البيت لأغراضها السياسية والتوسعية .


4- احتكار زمزية أهل البيت .


بالرغم من التوزيع الجغرافي والمذهبي لمنتسبي وحاملي المشجرات العلوية في أصقاع الأرض إلا أن الآلة الثقافية والسياسية الإيرانية ، تزعمت احتكار رمزية ( أهل البيت ) وقدمت نفسها وصية حصرية لموروث أهل البيت - المزعوم - مستغلة مفردات من الموروث السني التقليدي حول بعض القضايا الفقهية إضافة إلى الجوانب الرمزية والروحية المرتبطة بأهل البيت لدى فئات متعددة - وبخاصة الطرق الصوفية- وغيرهم الأمر الذي مكن لطهران من طرح نموذجها السياسي وكأنه التجسيد الوحيد للعدل العلوي مما أدى إلى ظهور حالة من التشيع الثقافي والسياسي لدى نخب سنية لا تعتنق بالضرورة المذهب الإمامي الجعفري ولكنها تتبنى الرؤية السياسية الإيرانية بدافع الوفاء الرمزي لمصطلح أهل البيت وبهذه الاستراتيجية الذكية تغلغل النفوذ الإيراني بواسطة التشيع الثقافي في كثير من الأوساط السنية .

وفي الوقت الذي يصعب فيه اختراق البناء العقدي السني المتمسك بالنصوص والآثار الصحيحة وجدت إيران في بوابة أهل البيت ثغرة عاطفية وتاريخية ووجدانية وتسلل المشروع الشيعي الصفوي لتحويل هذه العاطفة إلى منظومة حركية ولائية لخدمة الأهداف الاستراتيجية الايرانية .

وقصارى القول فإن نجاح المشروع الإيراني في اختراق المجتمعات السنية عبر بوابة أهل البيت كان استثماراً خطيراً في إدارة هذه الرمزية لتحويلها إلى أداة نفوذ لتمزيق النسيج السني من داخله وجذب بعض أطرافه نحو مركزية القرار في طهران تحت غطاء الولاء والمحبة لأهل البيت .


ثالثاً :- بوابة التقريب بين المذاهب.

وتعود الجذور التاريخية لهذا الاختراق إلى فترة متقدمة من ثلاثينيات القرن الماضي قبل قيام الثورة الخمينية وفي فترة التحضير لها إذ كانت الظروف متشابهة في عدد من البلدان وبخاصة - مصر وإيران - إبان الهيمنة الاستعمارية الغربية التي تلت سقوط الخلافة العثمانية ويومها برزت رموز إسلامية سنية في مصر ومرجعيات شيعية في إيران تتبنى شعارات عامة لدفع الهيمنة الاستعمارية كالمناداة بالوحدة الاسلامية والرابطات الاسلامية العامة والحد من الخلافات المذهبية ونحوها ، وفي هذه الأجواء ولدت فكرة الدعوة الى التقارب بين المذاهب واستمرت مثل هذه المداولات النخبوية في محيط اللقاءات العامة أو الندوات المشتركة والمبادرات الفردية وكان لها بعض الرواد مثل محمود شلتوت شيخ الأزهر في وقته وآية الله الكاشاني من الشيعة وبعض قيادات في حركة الإخوان المسلمين وغيرهم لكن هذه الفكرة بعد قيام الثورة الخمينية تحولت من حوار ديني ومذهبي إلى أداة نفوذ سياسي ومذهبي لدى صناع القرار في طهران معتمدين لتحقيق هذه العملية الاختراقية على جملة من المرتكزات من بينها :-


1- مأسسة" التقريب بين المذاهب .


بعد ان كانت فكرة التقريب بين المذاهب ضمن المبادرات الفردية المحدودة جعلت إيران من الفكرة عملاً مؤسسياً سيادياً كقوة ناعمة عبر تأسيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في عام 1990 م الذي ينشط في إقامة المؤتمرات واستقطاب الرموز السنية ورغم أن ظاهره يقتصر على إدارة الحوارات إلا أنه في واقع الحال يعمل ضمن "الخطة العشرينية الإيرانية ( 2005-2025 ) التي تهدف لتحويل إيران إلى نواة مركزية للهيمنة في المنطقة ويتم استثمار هذا المجمع لتسييس التشيع وجعل تجربة الثورة الخمينية مصدر إلهام للشعوب العربية عبر ربط التقارب بفكرة ( الولي الفقيه ) ومجمع التقارب الايراني عبارة عن مؤسسة موازية لوزارة الخارجية الإيرانية ولم تكن وظيفته مجرد حوارات حول قضايا الاختلاف بين السنة والشيعة في مسائل الدين كالامامة والصحابة ونحو ذلك من التباينات الفكرية والعقدية وإنما المقصود بها في الاستراتيجية الايرانية صناعة نخب سنية صديقة للمشروع الايراني يعملون كجدار حماية للدولة الإيرانية داخل مجتمعاتهم السنية ويخففون من حدة الرفض الشعبي للمشروع السياسي الإيراني تحت لافتة الوحدة الاسلامية والتقارب المذهبي .


2- تحييد العقيدة لصالح السياسة .


استطاع الخطاب الشيعي الإيراني - خارجياً - أن يوجد معادلة فكرية ذكية تقوم على اعتبار الخلافات العقدية ثانوية وترسيخ فكرة التركيز على العدو المشترك وجعله أولوياً وهي فكرة تبدو لأول وهلة منطقية وعقلانية غير أن الهدف الأساس منها في السياسة الإيرانية خديعة تنويم الحاسة الحذرة والنقدية لدى أهل السنة تجاه المعتقدات والتمدد الإيراني لايجاد قناعات بأن التقارب المذهبي هو الحل، ومفهومه درء أي محاولة لنقد التدخل الإيراني في العراق أو سوريا أو اليمن أو غيرها وتصنيف ذلك بأنها دعوة للفتنة أو خدمة للأعداء وبذلك أصبح التقريب المذهبي درعاً دبلوماسياً للمشروع الإيراني التوسعي.


3- عقدة التفرق وغياب الاتحاد .


استغلت إيران تطلعات الشارع العربي والإسلامي الى الاجتماع والقوة ونبذ التنازع والإفتراق في مواجهة الصلف الصههيوني وفشل القومية العربية في تحقيق الحد الأدنى من الاتحاد فقدمت نفسها كدولة إسلامية وحيدة تواجه الغرب ومارست تضليلاً وتدليساً على المسلمين بأن قوتها لكل المسلمين وبهذا الاختراق العاطفي عطل المنطق السياسي في اعتبار أن لكل دولة مصالحها القومية التي قد تتصادم مع جيرانها بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى و عبر مؤتمرات الوحدة والتقريب تم بناء شبكة علاقات دولية مع مفكرين ودعاة من السنة وهؤلاء تحولوا إلى قادة للرأي يروجون للنموذج الإيراني .

والخلاصة في ذلك أن فكرة التقريب الايرانية بين المذاهب لم تكن تبنى على ايجاد حوار ديني ومذهبي للوصول الى الحقيقة في الامور المختلف فيها بقدر ما كانت مناورة سياسية تهدف إلى نزع السلاح العقدي النقدي من يد أهل السنة لتحويل التقارب المذهبي من ساحة للحوار إلى بوابة للتبعية الإيرانية واستخدم شعار الوحدة لشرعنة النفوذ واستخدمت بعض العمائم السنية لتغطية التمدد الإيراني.


رابعاً :- بوابة التشيع السياسي .


المقصود بالتشيع السياسي منظومة الولاء العام للنظام الإيراني وتبني خطابه السياسي والترويج لذلك دون الإلتزام بمرجعية النظام الإيراني المذهبية والعقدية بحيث يتسع مفهومه ليشمل أطيافاً من غير الشيعة الجعفرية الإمامية وقد نجحت إيران في اختراق جماعات ورموز ثقافية وسياسية وإعلامية ومؤسسات سنية وتنظيمات متعددة عبر قواسم المصالح وتناغم التصورات حول الأولياء والأعداء فتحول التشيع السياسي إلى بديل - تكتيكي - عن التشيع المذهبي وغايته جعل العقل السني متفاعلاً مع الرؤية الإيرانية للعالم كشعارات العداء للغرب والولاء للقيادة الثورية والإيمان بنموذج الدولة الدينية الايرانية وفوق جسر التشيع السياسي عبرت المفاهيم الثورية الإيرانية لتستقر في أدبيات بعض التوجهات الإسلامية السنية مما أوجد تماهياً فكرياً لجعل الفوارق المذهبية تذوب أمام وحدة الاهداف السياسية وقد ساعد في هذا المسار - تغلغل التشيع السياسي - في لحظات الحروب مع إسرائيل والمقاومة الفلسطينية و تم كسر الحاجز النفسي المتصل بالتشيع المذهبي وهو من الجانب الإيراني مقبول مرحلياً لأنه يدفع ببعض المكونات السنية إلى مربع الإعجاب بالنموذج الإيراني ويفقدهم الثقة بمرجعياتهم السياسية والدينية التقليدية وفي ضوء ذلك تمت صناعة الطابور الخامس لايجاد منصات إضافية تدين لإيران بالولاء السياسي .


خامساً :- بوابة الثقافة والإعلام .


توسعت إيران في استخدام أدوات الاختراق لتشمل مجالات عدة من بينها الجانب الثقافي وتقديم المنح الدراسية والخدمات الاجتماعية للمحرومين في الأوساط السنية عبر مؤسسات عدة مثل ( مؤسسة الخميني للإغاثة ) كما تم استقطاب البعثات الطلابية ومن بينها آلاف الطلاب اليمنيين في - قم - لايجاد مجاميع ذات ولاءات فكرية لإيران تعمل على نشر التشيع بشقيه - المذهبي والسياسي - في بلدانها.

وفي السياق الثقافي عملت ايران في بعض المجتمعات السنية الفقيرة أو المهمشة الى جعل القضية الفلسطينية ستاراً لأنشطتها الدعوية والثقافية وإقامة الندوات والمؤتمرات التي تجمع علماء من السنة والشيعة تحت عناوين نصرة القدس وفلسطين وتأسست مؤسسات وجمعيات إغاثية تحت شعارات نصرة فلسطين والتي كانت أحياناً مدخلاً لنشر الأفكار والمنهج السياسي الإيراني.

وسخرت إيران عشرات المنابر ووسائل إعلام إيرانية تابعة لها ولأذرعها وقنوات متعددة كقناة العالم والميادين والمنار - وبرس تي في - لترويج إيران المقاومة !! مقابل تخوين عموم حكام العرب والمسلمين وقد نجحت المكنة الاعلامية الايرانية في تثبيت ثنائية محور المقاومة مقابل محور التطبيع و هذا الخطاب التعبوي أوجد صدى في بعض الأوساط الاسلامية التي تم تصوير إيران فيها كدولة فاعلة تتحدى القوى العظمى مقابل دول عربية توصف بالضعف أو التواطؤ عبر هذا الاختراق الناعم الإعلامي والثقافي .

ختاماً :-

لقد كان لسياسة الاختراق الشيعي الايراني مخاطر عديدة يصعب الوقوف على حصرها ولعل من أبرزها :-

1- المخاطر السياسية :-


أ- لان هذا النوع من الاختراق يستهدف الوعي وقد لا يتحقق بالضرورة تشييع الناس مذهبياً بقدر ما يهدف لتسييس الولاء بحيث يرى المواطن العربي في النموذج الإيراني منقذاً أو بديلاً عن الأنظمة المحلية مما يؤدي لتآكل شرعية الدولة القطرية من الداخل لصالح الولاء الطائفي لإيران التي لاتقدم دعماً للدول والشعوب وإنما تدعم طوائف ومليشيات لينشأ من ذلك توليد دول داخل الدول - كنموذج حزب الله في لبنان، والحشد في العراق والحوثيين في اليمن - وهذا بدوره يؤدي إلى شلل القرار السيادي، لتصبح الدولة رهينة لأجندة إقليمية لا تخدم المصالح الوطنية العليا.

ب- استنزاف العمق العربي الاستراتيجي :-

يهدف الإختراق والتغلغل الإيراني إلى عزل الدول العربية - وبخاصة المحورية - عبر تطويقها بأقواس نفوذ وتحويل المشرق العربي واليمن إلى مناطق سيطرة إيرانية يفقد النظام الإقليمي العربي توازنه ويجعل الأمن القومي العربي مكشوفاً لكي تصبح إيران هي اللاعب الذي يحدد قواعد الاشتباك في المنطقة.

2- المخاطر الاجتماعية :-

لتصبح الأقليات الشيعية مشحونة ومقاتلة ومتوثبة لإحداث شروخ مجتمعية سنية -شيعة يصعب لملمتها مما يؤدي إلى حروب داخلية كما في بعض المناطق كسوريا والعراق واليمن ويلاحظ محاولات تغيير ( ديموغرافي ) ممنهج عبر السطو على الممتلكات العامة والخاصة والتهجير والنزوح مما يغير هوية المدن التاريخية ويخلق واقعاً جغرافياً جديداً يصعب معالجته في المستقبل .


5- المخاطر الأمنية :-

بخلق ارتدادات مقابلة وصناعة التطرف والارهاب لان كل تمدد لمشروع - ولاية الفقيه - المتطرف يخلق بالضرورة رد فعل متطرف في المقابل الآخر ومن البيئات التي تهيمن عليها القوى الإيرانية تولدت تيارات متطرفة واستغلتها إيران ووظفتها لتصفية الوجود السني كتنظيم داعش والقاعدة والاختراق الإيراني يغذي هذه الحركات الإرهابية العابرة للحدود لتوظيفها في دوامة من العنف والعنف المضاد الذي يستنزف الموارد البشرية والاقتصادية لكون هذا الإختراق ليس مجرد تبشير ديني او مذهبي بل هو استعمار حديث بآليات مذهبية .


6- الإختراق الإيراني الشيعي في اليمن .


يعد اليمن في الاستراتيجية الإيرانية نموذجاً صارخاً للنفوذ والتوسع الايراني حيث انتقل الاختراق فيه من مجرد النفوذ السياسي إلى صياغة الدولة والمجتمع وفق مشروع ولاية الفقيه وقد تجاوز هذا الاختراق البعد المذهبي التقليدي في اليمن بشقيه - الشافعي والزيدي- لايجاد واقع جديد لنشر العقيدة الجعفرية الاثني عشرية .

ومن الناحية السياسية يمثل هذا الاختراق في اليمن قاعدة انطلاق تتمثل في السيطرة على مناطق واسعة من شمال اليمن وغربه بما في ذلك العاصمة صنعاء ومساحات من الساحل المطل على البحر الأحمر لإحداث تحولات جديدة وخطيرة في موازين القوة وخنق الممرات وتهديد الملاحة الدولية عبر مليشيا الحوثي الإرهابية لصالح نظام طهران بمنحها القدرة على تهديد مضيق باب المندب وهو ما يعني امتلاك أداة ضغط عالمية للتحكم في ممرات التجارة والطاقة الدولية.

و لتطويق الجزيرة العربية يمثل اليمن الضلع الجنوبي في خطة التطويق التي تهدف لاستنزاف القوى الإقليمية مما يجعل الأمن الإقليمي العربي في حالة انكشاف دائم أمام التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة التابعة لإيران وأذرعها .

ومن الناحية الدينية العقدية يمثل الاختراق الايراني حالة من العبث بالهوية الاسلامية و اليمنية ومنذ تمرد المليشيا الحوثية التابعة لايران وهي تسعى جاهدة لتفخيخ ممنهج من خلال قطاع التعليم لتطييف المناهج الدراسية وتضمينها مفاهيم طائفية حادثة على المجتمع اليمني تهدف إلى زراعة جيل يدين بالولاء للمرشد الإيراني والقائد الحوثي وتستخدم الأنشطة في المراكز الصيفية للتجنيد والتحشيد العقائدي والعسكري للأطفال في مقابل التضييق على المراكز السنة ودور العلم وتحفيظ القرآن وتحجيم رسالة المسجد التوعوية مما يخلق قنبلة موقوتة تهدد النسيج الاجتماعي اليمني لعقود قادمة.

وعلى ذات المسار يتم اختراق وتفكيك الزيدية التقليدية

لجعلها عقدياً أكثر تطرفاً من نزعتها الجارودية ولتحويلها إلى نسخة من التشيع الجعفري الاثني عشري المرتبط بإيران.

وفي الجانب القبلي يعمل الاختراق الايراني على التغيير الديموغرافي والمجتمعي وإحلال الولاءات الشيعية وتهميش المكونات السنية والمشايخ والرموز القبلية التي ترفض الانصياع والتماهي مع المشروع الحوثيراني عبر التهجير والنزوح القسري ومصادرة الممتلكات الخاصة ومنحها لعناصر موالية لهم .

كما يجري محاولة فصل اليمن عن محيطه العربي التاريخي والجغرافي وربطه بمركزية القرار في طهران .

وبالمحصلة فإن الاختراق الإيراني في اليمن ليس عابرسبيل بل هو محاولة استيطان عقائدي وسياسي وعسكري يهدف إلى جعل اليمن منصة للصراعات والأذى والخطر الأكبر يكمن في صناعة وعي مشوه يرى في الانتماء لليمن والعروبة شأناً ثانوياً أمام الولاء للمشروع الايراني العابر للحدود.

وغني عن البيان أن مواجهة هذا الاختراق - محلياً - لا تكون إلا بتقوية الدولة الشرعية عبر مؤسساتها الوطنية وترسيخ مقومات العدالة والتنمية لسد الثغرات التي ينفذ منها الاختراق الايراني وقد بات ملحاً على المستوى الإقليمي ايجاد مشروع عربي واسلامي سني جامع يقوم على التكامل الرسمي والشعبي بين دول المنطقة - وبخاصة المتضرر من التمدد الإيراني - دون ذوبان للخصوصيات لمواجهة الاختراقات الايرانية إضافة إلى إيجاد مشاريع فاعلة لتحصين الهوية الاسلامية السنية عبر مؤسسات ثقافية وفكرية تتسم بالوسطية والاعتدال .


على أنه - وبالرغم من نجاح هذا الاختراق لسنوات طويلة إلا أنه واجه تراجعاً كبيراً في الآونة الأخيرة ولاسيما بعد انكشاف خذلانه في حصار غزه وظهور جرائمه وكوارثه في سوريا واليمن والعراق ولبنان ومؤخراً عدوانه - غير المبرر - على المملكة العربية السعودية وبقية دول دول الخليج والأردن - رغم حرصها على تجنب الإنخراط في الصراع الدائر بين إيران واليههود وحلفائهم وقد بدأ غالبية السنة يدركون أن الإختراقات الايرانية ليس إلا أدوات براغماتية للتوسع الإقليمي وتصدير الثورة الخمينية مما أدى إلى تصاعد الاتهامات لطهران بالمتاجرة بالشعارات لتنفيذ أجندات تستهدف تغيير الهُوية الإسلامية السنية والعربية في دول المنطقة .


﴿ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾