السلام ليس شعارًا عابرًا ولا ترفًا فكريًّا يُتداول في الندوات والخطابات، بل هو مبدأ سويّ ومنطقي، تسعى إليه الفطرة الإنسانية قبل أن تُنظّر له الفلسفات السّياسيّة. السلام حاجة وجودية، تطلبه الشعوب حين تُنهكها الحروب، ويبحث عنه العقلاء حين يدركون أن كلفة الصراع تفوق أي مكاسب موهومة. وفي اليمن، لم يعد السلام مطلبًا سياسيًّا فحسب، بل أصبح ضرورة إنسانية وأخلاقية لإنقاذ وطنٍ أنهكته سنوات الانقلاب والفوضى.
السلام مبدأ عقلاني وأخلاقي، السلام هو الإطار الطبيعي الذي تنمو فيه الدول وتزدهر المجتمعات، ولا يمكن لأي مشروع تنموي أو إصلاحي أن يرى النور في ظل السلاح المنفلت وهيمنة الجماعات المسلحة. ومن هنا، فإن السلام الذي يريده اليمنيون ليس استسلامًا، ولا تسوية هشّة تُبقي أسباب الصراع كامنة، بل هو سلام قائم على استعادة الدولة وبسط سيادتها، واحتكارها المشروع للقوة.
العقلاء في اليمن يدركون أن السلام الحقيقي لا يُبنى على المجاملات السّياسيّة، ولا على تغليب حسابات اللحظة، بل على معالجة جذور الأزمة وفي مقدّمتها الانقلاب على الدولة ومؤسساتها.
اليمن وتجربة "ملف السلام" بين الطموح والمتاجرة
خاض اليمن خلال السنوات الماضية جولات متعدّدة من المفاوضات برعاية أممية وإقليمية، ومن بينها جهود بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (UNMHA) واتفاقات أخرى برعاية الأمم المتحدة. إلا أن ما يفترض أن يكون مسارًا لإنهاء الحرب تحوّل في كثير من الأحيان إلى ملف قابل للتوظيف السّياسيّ والمساومة.
لقد أصبح "ملف السلام" عند الحوثيين وسيلة لإعادة التّموضع، أو لالتقاط الأنفاس، أو لتحسين الصورة أمام المجتمع الدولي، دون وجود إرادة حقيقية لإنهاء أسباب الصراع. وهكذا، تحوّل السلام من غاية وطنية جامعة إلى أداة تكتيكية في صراع مفتوح.
جماعة الحوثي: أيديولوجيا لا تؤمن بالدولة، تُعدُّ جماعة الحوثي نموذجًا لجماعة أيديولوجية مسلحة تقوم بنيتها الفكرية على فكرة الاصطفاء والاستعلاء، وهو ما يتعارض جذريًّا مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية. هذه البنية الفكرية المغلقة تجعل من الصعب تصوّر انخراط حقيقي لها في مشروع سلام يقوم على الشراكة الوطنيّة.
إن التّظاهر بالرغبة في السلام لا يمكن اعتباره التزامًا حقيقيًّا إلا إن توقفت التّعبئة الأيديولوجيّة والتّحشيد العسكري.
المجتمع الدولي بين الخطاب والواقع، وعلى المجتمع الدولي أن يدرك أن السلام في اليمن لا يمكن أن يُختزل في بيانات ترحيب أو تعهدات عامة. فالتّجربة أثبتت أن غياب آليات الردع والمساءلة شجّع على التلاعب بالمسارات السّياسيّة. وإن أي عملية سلام لا تُلزم الأطراف بوضوح، ولا تُحمّل المعرقلين كلفة حقيقية، ستبقى عرضة للتّعثّر.
السلام الحقيقي يتطلب فهمًا لطبيعة الأزمة اليمنيّة بوصفها أزمة انقلاب على الدولة، لا مجرد نزاع سياسي بين أطراف متكافئة. ويتطلب كذلك إدراك أن هناك قوى لا ترى في السلام إلا محطة مرحلية ضمن مشروعها الخاص.
هل يُفرض السلام بالقوة؟.
في الظروف الطبيعية يُفترض أن يكون السلام خيارًا طوعيًّا نابعًا من قناعة مشتركة، لكن الحالة اليمنيّة تمثّل وضعًا استثنائيًّا معقَّدًا، تتداخل فيه العوامل الأيديولوجيّة والإقليميّة والعسكرية. وفي مثل هذه السياقات قد يصبح فرض هيبة الدولة واستعادة مؤسساتها بالقوة الشرعية شرطًا لتهيئة بيئة سلام حقيقي.
ليس المقصود بالحسم العسكري إدامة الحرب، بل إنهاء حالة الفوضى المسلحة التي تمنع قيام الدولة. فالسلام الذي لا تحميه مؤسسات قوية يبقى هشًّا وقابلًا للانهيار. ومن هنا، فإن استعادة الدولة لاحتكار السلاح وبسط نفوذها على كامل التراب الوطني تمثّل خطوة أساسية نحو سلام دائم.
حديث صريح مع الشرعية.
إن المسؤولية التاريخية اليوم تقع على عاتق السلطة الشرعية لتتحرك بوضوح وحزم نحو استعادة الدولة وتحرير البلاد من سيطرة الجماعات المسلحة، سواء في الشمال حيث تفرض جماعة الحوثي نفوذها، أو في الجنوب حيث تبرز تحديات أخرى مرتبطة ببقايا التشكيلات المسلحة الخارجة عن الإطار الوطني.
إن التردد أو الارتهان للحسابات الضيقة يطيل أمد المعاناة، ويجعل اليمن ساحة مفتوحة للّتجاذبات. المطلوب رؤية وطنية جامعة تعيد بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية، وتُفعّل مؤسسات الدولة، وتفرض خياراتها لحماية المواطنين وصون السيادة.
سلام اليمن لن يتحقق بتوازن الضعف، بل بقوة الدولة وعدالتها، ولن يكون شاملًا ما لم يشمل جميع اليمنيين تحت مظلة قانون واحد وسلاح واحد.
السعودية: شراكة استراتيجية ودور محوري، في هذا السياق، يبرز الدور المحوري والمشهود الذي تقوم به المملكة العربية السعودية على المستويات السّياسيّة والعسكرية والإنسانية. فقد وقفت المملكة إلى جانب اليمن في أصعب مراحله، دعمًا للشرعية، وحفاظًا على أمن المنطقة، ومنعًا لانزلاق اليمن إلى مزيد من الفوضى. كما تقود عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال والبرنامج السعودي للإعمار جهودًا إنسانية واسعة خففت من معاناة ملايين اليمنيين، إلى جانب الدعم التنموي والسّياسيّ المستمر. وتعكس الشراكة الاستراتيجية بين اليمن والمملكة عمق الروابط التاريخية والمصالح المشتركة.
إن تقدير هذا الدور لا يعني إغفال المسؤولية الوطنيّة، بل يعزّزها؛ فالشّراكات الإقليميّة تكون أكثر فاعلية حين تستند إلى دولة يمنيّة قوية قادرة على إدارة شؤونها وحماية حدودها ومنع تحول أراضيها إلى مصدر قلق لجيرانها.
السلام الذي يريده اليمنيون ليس صفقة مؤقتة، ولا هدنة قابلة للانفجار، ولا تقاسم نفوذ بين جماعات مسلحة. إنه سلام الدولة الواحدة، والسلاح الواحد، والمواطنة المتساوية. سلامٌ يُنهي الانقلاب، ويستعيد المؤسسات، ويضع حدًا لعسكرة المجتمع.
ذلك هو السلام الذي يستحقّه اليمنيون… سلامٌ يحميه القانون، وتصونه الدولة، وتدعمه شراكات صادقة، ليعود اليمن وطنًا آمنًا مزدهرًا، لا ساحة صراع ولا مصدر قلق.