آخر تحديث :الإثنين-06 أبريل 2026-10:28م

حين تُغتال الكلمة… من يحمي الحقيقة؟

الإثنين - 06 أبريل 2026 - الساعة 07:05 م
شهاب سنان

بقلم: شهاب سنان
- ارشيف الكاتب


لم يعد اغتيال الصحفيين مجرد حادثة عابرة يمكن المرور عليها بصمت، بل أصبح مؤشرًا خطيرًا على اختلال ميزان العدالة، وتراجع قيمة الكلمة أمام فوهة السلاح. فحين يُقتل الصحفي لأنه نقل الحقيقة، أو حاول الاقتراب منها، فإن الجريمة لا تستهدف شخصًا بعينه، بل تستهدف الوعي، وتُصيب المجتمع بأكمله في مقتله .


من المستفيد من إسكات الصحفي؟ سؤال يتكرر مع كل حادثة اغتيال، ومع كل انتهاك يُرتكب بحق العاملين في الإعلام. والإجابة – وإن لم تُعلن رسميًا في كثير من الأحيان – تبدو واضحة في جوهرها: كل من يخشى الحقيقة، وكل من يسعى إلى ممارسة انتهاكاته بعيدًا عن الضوء، هو المستفيد الأول من تغييب صوت الصحافة.


لقد شهدت الساحة اليمنية خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الانتهاكات بحق الصحفيين، تنوعت بين الاغتيال، والاعتقال، والتضييق، والمنع من ممارسة العمل الإعلامي. ولم تعد هذه الانتهاكات محصورة في طرف واحد؛ وإن كانت بعض الجهات متهمة بشكل أوسع، إلا أن الواقع المؤلم يكشف أن الصحفي قد يجد نفسه مستهدفًا في أكثر من مكان، حتى في المناطق التي لجأ إليها بحثًا عن الأمان.


وفي هذا السياق، تأتي جريمة اغتيال الزميل الصحفي عبدالصمد القاضي في مدينة تعز، لتفتح جرحًا جديدًا في جسد الصحافة اليمنية. جريمة لم تستهدف فردًا فحسب، بل استهدفت أسرة فقدت معيلها، وأطفالًا فقدوا سندهم، ومدينة فقدت صوتًا كان ينقل همومها. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: بأي ذنب يُقتل الصحفي؟ وما الجريمة التي ارتكبها سوى أنه أدى رسالته المهنية؟


إن الأخطر من الجريمة ذاتها هو استمرارها دون كشف الحقيقة الكاملة، أو محاسبة الجناة بشكل رادع. فالإفلات من العقاب يشجع على تكرار الجريمة، ويبعث برسالة سلبية مفادها أن دم الصحفي يمكن أن يذهب هدرًا دون مساءلة.


وهنا يبرز تساؤل مشروع: هل أصبح لزامًا على الصحفي أن يحمل السلاح ليحمي نفسه؟ أم يترك مهنته لينجو بحياته؟ الحقيقة أن هذا الطرح – رغم قسوته – يعكس حجم الخطر الذي يواجهه الصحفي اليوم. لكن الإجابة يجب أن تكون واضحة: حماية الصحفي لا تكون بتسليحه، بل بتفعيل القانون، وتعزيز دور الأجهزة الأمنية، وضمان محاسبة كل من تسوّل له نفسه استهداف أصحاب الكلمة.


إن مسؤولية حماية الصحفيين لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة. فتعزيز الحس الأمني، والتبليغ عن أي تحركات مشبوهة، والتعاون مع الجهات المختصة، كلها عوامل تسهم في الحد من الجريمة قبل وقوعها. كما أن تطوير وسائل حديثة للتواصل السريع بين المواطنين والأجهزة الأمنية بات ضرورة ملحّة في ظل تزايد التحديات الأمنية.


إن اغتيال الصحفي ليس جريمة عادية، بل هو اغتيال للحقيقة، ومحاولة لإسكات صوت المجتمع. ولذلك، فإن الوقوف أمام هذه الجرائم لا يجب أن يكون مجرد إدانة عابرة، بل موقفًا حازمًا يطالب بكشف الحقيقة، وتحقيق العدالة، وضمان عدم تكرارها.


وفي الختام، نترحم على الزميل الصحفي عبدالصمد القاضي، ونسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. كما نؤكد ضرورة أن تكشف الجهات الأمنية كافة تفاصيل هذه الجريمة، وأن تعلن نتائج التحقيق بشفافية، حتى يعرف الجميع من القاتل، ومن خطط، ومن يقف خلف هذه الجرائم.


فإذا ضاعت عدالة الأرض يومًا، فإن عدالة السماء لا تضيع.