آخر تحديث :الأحد-05 أبريل 2026-10:20م

اليمن والمملكة… شراكة المصير في زمن التحولات

الأحد - 05 أبريل 2026 - الساعة 09:04 م
عبدالرحمن جناح

بقلم: عبدالرحمن جناح
- ارشيف الكاتب


قراءة في دلالات الموقف الشعبي وخيارات القيادة في لحظة إقليمية حرجة، وفي سياقٍ إقليمي يتسم بتعقيد غير مسبوق، لم تعد العلاقات بين الدول تُقاس بميزان المصالح العابرة أو الاصطفافات الظرفية، بل بمدى قدرتها على الصمود أمام الأزمات، وصناعة الاستقرار في بيئة مضطربة. وفي هذا الإطار، تبرز العلاقة بين اليمن والمملكة العربية السعودية بوصفها نموذجًا متقدمًا لشراكة تتجاوز حدود الجغرافيا، وتعكس تداخلًا بنيويًا عميقًا بين استقرار البلدين وأمنهما.


ما شهدته مدن تعز ومأرب وحضرموت والمهرة مؤخرًا من حشود جماهيرية واسعة داعمة للمملكة ودول الخليج، لم يكن حدثًا محليًا محدود الأثر، بل رسالة سياسية مكثفة تعكس مستوى متقدمًا من الوعي الشعبي بطبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة. فهذه المحافظات، بما تمثله من تنوع جغرافي وامتداد اجتماعي، لم تتحرك بدافع الانفعال، بل انطلقت من تجربة مباشرة مع اختلالات التوازن التي أحدثها المشروع الإيراني في اليمن، وما ترتب عليه من تقويض لبنية الدولة الوطنية.


تعز، التي دفعت كلفة باهظة جراء الحرب، عبّرت عن ضمير الجمهورية وصوتها الصريح. ومأرب، التي شكلت خط الدفاع الأول في مواجهة هذا المشروع، قدمت نموذجًا للصمود والاستقرار رغم التحديات. أما حضرموت والمهرة، فقدمتا صورة للعمق الاستراتيجي الواعي، الذي يدرك أن استقرار الخليج جزء لا يتجزأ من استقراره. هذا الامتداد الجغرافي يمنح الرسالة اليمنية وزنًا مضاعفًا، ويؤكد أنها ليست تعبيرًا محليًا، بل موقفًا وطنيًا جامعًا.


في هذا المشهد، يتقاطع الموقف الشعبي مع رؤية القيادة السياسية ممثلة بفخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، الذي يحرص في مختلف لقاءاته على توصيف العلاقة مع المملكة العربية السعودية باعتبارها شراكة استراتيجية قائمة على المصالح والمصير والأمن المشترك؛ ليست خيارًا تكتيكيًا، ولا حالة عاطفية عابرة، بل «الطريق الآمن لمستقبل اليمن». هذا التوصيف لا يعكس خطابًا سياسيًا فحسب، بل يعبر عن إدراك عميق بأن أمن اليمن واستقراره لا يمكن فصلهما عن منظومة الأمن الخليجي، وفي مقدمتها المملكة.


وقد أكد فخامته، خلال ترؤسه الجلسة الأولى للحكومة الجديدة عقب أدائها اليمين الدستورية، أن ما تحقق من تحسن في الخدمات الأساسية جاء بدعم كريم من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، مشددًا على ضرورة البناء على هذا التحسن وحمايته، وربط ذلك باستعادة ثقة المواطنين، والأشقاء، والأصدقاء، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من المعركة الوطنية.


الأهم في خطاب الرئيس هو إعادة تعريف هذه العلاقة ضمن إطار «الشراكة الاستراتيجية» التي تتجاوز مفهوم الدعم إلى مستوى التكامل، حيث تتقاطع الرؤى وتتحد الأهداف. وهي علاقة لا تقبل المقارنة أو الاستبدال، لما تحمله من خصوصية ترتبط برؤية إقليمية أوسع تسعى إلى تحقيق الاستقرار والنهوض.


ولا يمكن فهم هذه الرؤية دون التوقف عند الدور الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، في دعم اليمن سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا، في إطار التزام استراتيجي راسخ بالحفاظ على استقراره، ومنع تحوله إلى بؤرة تهديد للأمن الإقليمي.


في المقابل، يظل المشروع الإيراني، بأدواته المختلفة، عاملًا رئيسيًا في زعزعة الاستقرار، من خلال اعتماده على الفاعلين غير الحكوميين، ومحاولته إعادة تشكيل موازين القوى عبر أدوات غير تقليدية، مما جعل اليمن ساحة اختبار لهذا المشروع. غير أن التجربة اليمنية، بما تحمله من كلفة إنسانية وسياسية، أسهمت في رفع مستوى الوعي الشعبي والرسمي بخطورة هذه المقاربات، وهو ما يفسر وضوح الموقف واتساعه في مختلف المحافظات.


إن ما يُروَّج له من سرديات حول «فراغ أمني» في اليمن، لا يعكس الواقع بقدر ما يستهدف إرباك الثقة وتقويض الجهود الرامية إلى توحيد القرار الأمني والعسكري. وقد كان فخامة الرئيس واضحًا في هذا السياق، حين أكد أن هذه السرديات ليست توصيفًا دقيقًا، بل محاولة للتشويش على الجهود التي يبذلها الأشقاء في المملكة العربية السعودية لتعزيز وحدة الصف، ليس في اليمن فحسب، بل في عموم المنطقة.


من هنا، فإن العلاقة اليمنية–السعودية لا يمكن قراءتها من زاوية الدعم الأحادي، بل في إطار شراكة متبادلة تقوم على إدراك مشترك للمخاطر، وتوافق في الرؤية تجاه سبل مواجهتها. فاليمن، بموقعه الجغرافي الحساس، يشكل عمقًا استراتيجيًا للمملكة، كما أن استقرار المملكة يمثل ركيزة أساسية لاستقرار اليمن. وهذه المعادلة تجعل من أي محاولة للفصل بين المسارين قراءة قاصرة لا تستوعب تعقيدات الواقع.


لقد جاءت الحشود في تعز ومأرب وحضرموت والمهرة لتؤكد هذه الحقيقة، ولتعكس وعيًا بأن اللحظة الإقليمية تتطلب وضوحًا في المواقف، وحسمًا في الخيارات، وهو ما يعزز من مصداقية الرسالة التي يوجهها اليمن إلى محيطه العربي.


في المحصلة، يقف اليمن اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة موقعه في الإقليم، مستفيدًا من شراكة استراتيجية راسخة مع المملكة العربية السعودية، ومن وعي شعبي متنامٍ بطبيعة التحديات. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى واقع مستدام، يتطلب الاستمرار في بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز الثقة، وترسيخ الشراكات القائمة على المصالح المشتركة.


لقد أثبتت التجربة أن العلاقات التي تُبنى على المصير المشترك لا تهتز أمام العواصف، بل تزداد صلابة. والعلاقة بين اليمن والمملكة هي، في جوهرها، تعبير عن هذا النوع من الروابط… روابط لا تُختبر بالكلمات، بل تثبتها المواقف، وتؤكدها التحولات، وفي زمن يعاد فيه تشكيل الإقليم، لا تبدو هذه الشراكة خيارًا بين خيارات… بل شرطًا أساسيًا لبقاء الاستقرار في المنطقة بأسرها.